الهيثمي
15
موارد الظمآن
وروى الحازمي والإسماعيلي عن البخاري قوله : ( وما تركت من الصحاح أكثر ) ( 1 ) . وهذه النقول اعتراف صريح منهما بأنهما لم يذكرا في كتابيهما كل الصحيح . فالمجال إذا واسع ، والميدان فسيح أمام من تتحقق فيه العزيمة ، وصدق القصد ، وسعة الاطلاع ، ودقة النقد ليتم ما بدأ به هذان الإمامان العظيمان . وقد نهض لهذه المهمة ، الحافظ الكبير ، شيخ الإسلام ، إمام الأئمة ، محمد بن إسحاق بن خزيمة ( 223 - 311 ه ) محاولا استيعاب الصحيح في مصنف ، قد ضاع مع ما ضاع من ميراثنا العظيم ، ولم يبق منه إلا ربعه ( 2 ) . ثم تلقف الراية من بعده تلميذه النجيب ، الإمام الحافظ ، أبو حاتم محمد بن حبان البستي ، الذي نحن بصدد التعريف به وبكتابه الضخم المسمى ب ( المسند على التقاسيم والأنواع ، من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها ) ( 3 ) ، والمشهور بين أهل العلم ب ( صحيح ابن حبان ) .
--> ( 1 ) هدي الساري ص ( 7 ) ، مقدمة ابن الصلاح ص : 10 . ( 2 ) وقد قام بتحقيق ما بقي من هذا المصنف العظيم ، الدكتور محمد مصطفى الأعظمي ، وقد أخرجه في أربعة أجزاء ، تبدأ بكتاب ( الطهارة ) وتنتهي بكتاب ( الحج ) باب : إباحة العمرة قبل الحج . ( 3 ) ويقع في ( سبعة أسفار ) . فقد روى الوادي أشي ( 749 ) ه في ( برنامجه ) ص : ( 204 ) أنه قرأ جميع التقاسيم والأنواع بسنده ، بحرم الله تعالى ، تجاه الكعبة المعظمة ، على إمام المقام الشريف رضي الدين أبي إسحاق إبراهيم الطبري ، وكان في سبعة أسفار دون ما اتصل به من الكلام عليه ، ثم قال : ( وناولنيه الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء الزراد الصالحي ، الدمشقي ، بجامع الصالحية ، وكان في ستة أسفار ) . وهذا النقل يعني أن كتاب ( التقاسيم والأنواع ) كانت أصوله متداولة بين أهل العلم في مكة والشام ، يسمعونه على الشيوخ ليتصل سماعهم بمؤلفه توثقا وضبطا . غير أن هذا التداول وهذا الاهتمام ، وهذا الجهد كان محدودا ، وما كان بالقدر الذي يتناسب مع المكانة العظيمة التي يحتلها هذا المصنف الجليل ، والدليل على ذلك أننا - وللأسف - حتى ساعة كتابة هذه الأسطر لم نقف على أصل خطي كامل له ، على الرغم من البحث والتفتيش عنه في المكتبات العامة والخاصة ، وربما نقع على ذلك - إن شاء الله - فيما نستقبل من الأيام . لذلك فإننا نرجو أهل العلم أن يزودونا بعلمهم فيما إذا اهتدوا إلى مكان وجود نسخة كاملة من هذا المصنف الجليل لنسعى إلى الحصول عليها ، ولن يذهب العرف بين الله والناس .