محمد الريشهري
3723
ميزان الحكمة
وبالجملة : المراد بزيادة الإيمان كثرته عددا . وهو بين الضعف ، أما الحجة ففيها أولا : أن قولهم : الإيمان اسم للتصديق الجازم ممنوع ، بل هو اسم للتصديق الجازم الذي معه الالتزام كما تقدم بيانه . اللهم إلا أن يكون مرادهم بالتصديق العلم مع الالتزام . وثانيا : أن قولهم : إن هذا التصديق لا يختلف بالزيادة والنقصان دعوى بلا دليل ، بل مصادرة على المطلوب ، وبناؤه على كون الإيمان عرضا وبقاء الأعراض على نحو تجدد الأمثال لا ينفعهم شيئا ، فإن من الإيمان ما لا تحركه العواصف ، ومنه ما يزول بأدنى سبب يعترض وأوهن شبهة تطرأ ، وهذا مما لا يعلل بتجدد الأمثال وقلة الفترات وكثرتها ، بل لابد من استناده إلى قوة الإيمان وضعفه سواء قلنا بتجدد الأمثال أم لا . مضافا إلى بطلان تجدد الأمثال على ما بين في محله . وقولهم : إن المصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ضم إليه المعاصي لم يتغير حاله أصلا ممنوع ، فقوة الإيمان بمزاولة الطاعات وضعفها بارتكاب المعاصي مما لا ينبغي الارتياب فيه ، وقوة الأثر وضعفه كاشفة عن قوة مبدأ الأثر وضعفه ، قال تعالى : * ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) * ( 1 ) ، وقال : * ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون ) * ( 2 ) . وأما ما ذكروه من التأويل فأول التأويلين يوجب كون من لم يستكمل الإيمان - وهو الذي في قلبه فترات خالية من أجزاء الإيمان على ما ذكروه - مؤمنا وكافرا حقيقة ، وهذا مما لا يساعده ولا يشعر به شئ من كلامه تعالى . وأما قوله تعالى : * ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) * ( 3 ) فهو إلى الدلالة على كون الإيمان مما يزيد وينقص أقرب منه إلى الدلالة على نفيه ، فإن مدلوله أنهم مؤمنون في حال أنهم مشركون ، فإيمانهم إيمان بالنسبة إلى الشرك المحض ، وشرك بالنسبة إلى الإيمان المحض ، وهذا معنى قبول الإيمان للزيادة والنقصان . وثاني التأويلين يفيد أن الزيادة في الإيمان وكثرته إنما هي بكثرة ما تعلق به ، وهو الأحكام والشرائع المنزلة من عند الله ، فهي صفة للإيمان بحال متعلقه ، والسبب في اتصافه بها هو متعلقه ، ولو كان هذه الزيادة هي المرادة من قوله : * ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) * كان الأنسب أن تجعل زيادة الإيمان في الآية غاية لتشريع الأحكام الكثيرة وإنزالها ، لا لإنزال السكينة في قلوب المؤمنين ، هذا ( 4 ) . اللهم صل على محمد وآل محمد ، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان ، واجعل يقيني أفضل اليقين . وتقبل مني يا مبدل السيئات بالحسنات يا أرحم الراحمين . تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه ، واتفق الفراغ من تأليفه في ليلة القدر المباركة الثالثة والعشرين من ليالي شهر رمضان سنة خمسة وأربعمائة بعد الألف من الهجرة ، والحمد لله أولا وآخرا ، والصلاة على سيدنا محمد وآله ، والسلام .
--> ( 1 ) فاطر : 10 . ( 2 ) الروم : 10 . ( 3 ) يوسف : 106 . ( 4 ) الميزان : 18 / 259 .