محمد الريشهري

3642

ميزان الحكمة

مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته ، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شئ من أعمالهم فعلا أو تركا إلا وجهه ، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم ، ولا إلى ثواب يرجيهم ، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته ، وإلى هذا يشير قوله ( عليه السلام ) : " ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك ، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " . وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضاة ربهم ومحضوا أعمالهم في طلب غاية هو ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية ، وذلك أنهم يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه ، وقد سمى نفسه بأحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ، ومن خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق ! وقال تعالى : * ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه ) * ( 1 ) ثم قال : * ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) * ( 2 ) فأفاد أن الخلقة تدور مدار الحسن وأنهما متلازمان متصادقان ، ثم ذكر سبحانه في آيات كثيرة أن ما خلقه من شئ آية تدل عليه وأن في السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب ، فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي شيئا من جماله وجلاله . فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثنى على حسنه الذي لا يفنى ، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدل على غناه المطلق وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء ، كما قال تعالى : * ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) * ( 3 ) . فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربهم وعرفها لهم ، وهو أنها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلا أنها كمرائي تجلي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي ، وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق ، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من العزة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزة والعظمة ويغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه نفسه وكل شئ ، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه ، ويبدل فؤاده قلبا سليما ليس فيه إلا الله عز اسمه ، قال تعالى : * ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) * ( 4 ) . ولذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين الآخرين أعني طريق العبادة خوفا وطريق العبادة طمعا لا يخلوان من شرك ، فإن الذي يعبده تعالى خوفا من عذابه يتوسل به تعالى إلى دفع العذاب عن نفسه ، كما أن من يعبده طمعا في ثوابه يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة ، ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده ولا حام حول معرفته ، وقد تقدمت الرواية عن الصادق ( عليه السلام ) : " هل الدين إلا الحب " وقوله ( عليه السلام ) في حديث : " وإني أعبده حبا له وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون . . . " الحديث ،

--> ( 1 ) الأنعام : 102 . ( 2 ) ألم السجدة : 7 . ( 3 ) الإسراء : 44 . ( 4 ) البقرة : 165 .