محمد الريشهري

3639

ميزان الحكمة

الطيبة في المجتمع ، قال تعالى : * ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) * ( 1 ) . فجعل الإيمان بالله كشجرة لها أصل وهو التوحيد لا محالة ، واكل تؤتيه كل حين بإذن ربها وهو العمل الصالح ، وفرع وهو الخلق الكريم كالتقوى والعفة والمعرفة والشجاعة والعدالة والرحمة ونظائرها . وقال تعالى : * ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) * ( 2 ) ، فجعل سعادة الصعود إلى الله - وهو القرب منه تعالى - للكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق ، وجعل العمل الذي يصلح له ويناسبه هو الذي يرفعه ويمده في صعوده . بيان ذلك : أن من المعلوم أن الإنسان لا يتم له كماله النوعي ولا يسعد في حياته - التي لا بغية له أعظم من إسعادها - إلا باجتماع من أفراد يتعاونون على أعمال الحياة على ما فيها من الكثرة والتنوع ، وليس يقوى الواحد من الإنسان على الإتيان بها جميعا . وهذا هو الذي أحوج الإنسان الاجتماعي إلى أن يتسنن بسنن وقوانين يحفظ بها حقوق الأفراد عن الضيعة والفساد ، حتى يعمل كل منهم ما في وسعه العمل به ، ثم يبادلوا أعمالهم فينال كل من النتائج المعدة ما يعادل عمله ويقدره وزنه الاجتماعي من غير أن يظلم القوي المقتدر أو يظلم الضعيف العاجز . ومن المسلم أن هذه السنن والقوانين لا تثبت مؤثرة إلا بسنن وقوانين أخرى جزائية تهدد المتخلفين عن السنن والقوانين المتعدين على حقوق ذوي الحقوق ، وتخوفهم بالسيئة قبال السيئة ، وبأخرى تشوقهم وترغبهم في عمل الخيرات ، وتضمن إجراء الجميع القوة الحاكمة التي تحكم فيهم وتتسيطر عليهم بالعدل والصدق . وإنما تتحقق هذه الأمنية إذا كانت القوة المجرية للقوانين عالمة بالجرم وقوية على المجرم ، وأما إذا جهلت ووقع الإجرام على جهل منها أو غفلة - وكم له من وجود - فلا مانع يمنع من تحققه ، والقوانين لا أيدي لها تبطش بها ، وكذا إذا ضعفت الحكومة بفقد القوى اللازمة أو مساهلة في السياسة والعمل فظهر عليها المجرم أو كان المجرم أشد قوة ضاعت القوانين وفشت التخلفات والتعديات على حقوق الناس ، والإنسان - كما مر مرارا في المباحث السابقة من هذا الكتاب - مستخدم بالطبع يجر النفع إلى نفسه ولو أضر غيره . ويشتد هذا البلوى إذا تمركزت هذه القوة في القوة المجرية أو من يتولى أزمة جميع الأمور ، فاستضعف الناس وسلب منهم القدرة على رده إلى العدل وتقويمه بالحق ، فصار ذا قوة وشوكة لا يقاوم في قوته ولا يعارض في إرادته . والتواريخ المحفوظة مملوءة من قصص

--> ( 1 ) إبراهيم : 24 - 26 . ( 2 ) فاطر : 10 .