محمد الريشهري

3612

ميزان الحكمة

واتقوا الله ) * ( 1 ) . وجملة الأمر : أن الإسلام يرى حرمة العهد ووجوب الوفاء به على الإطلاق سواء انتفع به العاهد أو تضرر بعد ما أوثق الميثاق ، فإن رعاية جانب العدل الاجتماعي ألزم وأوجب من رعاية أي نفع خاص أو شخصي ، إلا أن ينقض أحد المتعاهدين عهده فللمتعاهد الآخر نقضه بمثل ما نقضه والاعتداء عليه بمثل ما اعتدى عليه ، فإن في ذلك خروجا عن رقية الاستخدام والاستعلاء المذمومة التي ما نهض ناهض الدين إلا لإماطتها . ولعمري إن ذلك أحد التعاليم العالية التي أتى بها دين الإسلام لهداية الناس إلى رعاية الفطرة الإنسانية في حكمها ، والتحفظ على العدل الاجتماعي الذي لا ينتظم سلك الاجتماع الإنساني إلا على أساسه وإماطة مظلمة الاستخدام والاستثمار ، وقد صرح به الكتاب العزيز وسار به النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في سيرته الشريفة ، ولولا أن البحث بحث قرآني لذكرنا لك طرفا من قصصه عليه أفضل الصلاة والسلام في ذلك ، وعليك بالرجوع إلى الكتب المؤلفة في سيرته وتاريخ حياته . وإذا قايست بين ما جرت عليه سنة الإسلام من احترام العهد وما جرت عليه سنن الأمم المتمدنة وغير المتمدنة - ولا سيما ما نسمعه ونشاهده كل يوم من معاملة الأمم القوية مع الضعيفة في معاهداتهم ومعاقداتهم وحفظها لها ما درت لهم أو استوجبته مصالح دولتهم ، ونقضها بما يسمى عذرا - وجدت الفرق بين السنتين في رعاية الحق وخدمة الحقيقة . ومن الحري بالدين ذاك وبسننهم ذلك ، فإنما هناك منطقان : منطق يقول : إن الحق تجب رعايته كيفما كان وفي رعايته منافع المجتمع ، ومنطق يقول : إن منافع الأمة تجب رعايتها بأي وسيلة اتفقت وإن دحضت الحق ، وأول المنطقين منطق الدين ، وثانيهما منطق جميع السنن الاجتماعية الهمجية أو المتمدنة من السنن الاستبدادية والديموقراطية والشيوعية وغيرها . وقد عرفت مع ذلك أن الإسلام في عزيمته في ذلك لا يقتصر على العهد المصطلح ، بل يعم حكمه إلى كل ما بني عليه بناء ويوصي برعايته ، ولهذا البحث أذيال ستعثر عليها في مستقبل الكلام إن شاء الله تعالى ( 2 ) . - رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أقربكم غدا مني في الموقف أصدقكم للحديث ، وأداكم للأمانة ، وأوفاكم بالعهد ، وأحسنكم خلقا ، وأقربكم من الناس ( 3 ) . - عنه ( صلى الله عليه وآله ) : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد ( 4 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) : أشرف الخلائق الوفاء ( 5 ) . - عنه ( عليه السلام ) : الوفاء كيل ( 6 ) .

--> ( 1 ) المائدة : 2 . ( 2 ) الميزان : 5 / 158 - 161 . ( 3 ) البحار : 75 / 94 / 12 و 77 / 149 / 77 . ( 4 ) البحار : 75 / 94 / 12 و 77 / 149 / 77 . ( 5 ) غرر الحكم : 2859 . ( 6 ) البحار : 75 / 94 / 9 .