محمد الريشهري

3596

ميزان الحكمة

الدنيا طالبة مطلوبة ( 1 ) والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته ( 2 ) . - عنه ( عليه السلام ) : يا هشام ! من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا ( 3 ) . - عنه ( عليه السلام ) : يا هشام ! إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : * ( ربنا لا تزغ قلوبنا ( 4 ) بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) * حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها . إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسره لعلانيته موافقا ، لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه ( 5 ) . - عنه ( عليه السلام ) : يا هشام ! كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : ما عبد الله بشئ أفضل من العقل ، وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى : الكفر والشر منه مأمونان ، والرشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقل كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيرا منه ، وأنه شرهم في نفسه ، وهو تمام الأمر ( 6 ) . - عنه ( عليه السلام ) : يا هشام ! إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه ( 7 ) . - عنه ( عليه السلام ) : يا هشام ! لا دين لمن لا مروة له ( 8 ) ، ولا مروة لمن لاعقل له ، وإن أعظم الناس قدرا

--> ( 1 ) طالبية الدنيا عبارة عن إيصالها الرزق المقدر إلى من هو فيها ليكونوا فيها إلى الأجل المقرر ، ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها ، وطالبية الآخرة عبارة عن بلوغ الأجل وحلول الموت لمن هو في الدنيا ليكونوا فيها ، ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها ، ولا يخفى أن الدنيا طالبة بالمعنى المذكور لأن الرزق فيها مقدر مضمون يصل إلى الإنسان لا محالة ، طلبه أولا * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * وأن الآخرة طالبة أيضا لأن الأجل مقدر كالرزق مكتوب * ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) * كما في هامش الكافي . ( 2 ) الكافي : 1 / 18 / 12 . ( 3 ) الكافي : 1 / 18 / 12 . ( 4 ) الزيغ : هو الميل والعدول عن الحق . والردى : الهلاك والضلال . كما في هامش الكافي . ( 5 ) الكافي : 1 / 18 / 12 . ( 6 ) الكافي : 1 / 18 / 12 أي : كل أمر من أمور الدين يتم به ، أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة . كما في هامش الكافي . ( 7 ) الكافي : 1 / 19 / 12 . ( 8 ) وذلك لأن من لاعقل له لا يكون عارفا بما يليق به ويحسن ، وما لا يليق به ولا يحسن ، فقد يترك اللائق ويجئ بما لا يليق ، ومن يكون كذلك لا يكون ذا دين . والمروة الإنسانية وكمال الرجولية وهي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب . كما في هامش الكافي .