محمد الريشهري

2833

ميزان الحكمة

لا يقدر على شئ ، وآخر رزق من الله رزقا حسنا ينفق منه سرا وجهرا ، ثم يسأل هل يستويان ؟ ! واعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلا من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض . فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه ولا لشئ من متاع الحياة وهو غير قادر على التصرف في شئ من المال ، والذي فرض قباله حر يملك نفسه وقد رزقه الله رزقا حسنا ، وهو ينفق منه سرا وجهرا على قدرة منه على التصرف بجميع أقسامه . وقوله : * ( هل يستوون ) * سؤال عن تساويهما ، ومن البديهي أن الجواب هو نفي التساوي ، ويثبت به أن الله سبحانه - وهو المالك لكل شئ المنعم بجميع النعم - لا يساوي شيئا من خلقه وهم لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على شئ من التصرف ، فمن الباطل قولهم : إن مع الله آلهة غيره وهم من خلقه . والتعبير بقوله : * ( يستوون ) * دون أن يقال : يستويان ، للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل . وقوله : * ( الحمد لله ) * أي له عز اسمه جنس الحمد وحقيقته ، وهو الثناء على الجميل الاختياري ، لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه ، فافهم ذلك . والجملة من تمام الحجة ، ومحصلها : أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شئ وينعم بشئ ، والمالك الذي يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف شاء ، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإحسان والإنعام وغيرها ، فله كل ثناء جميل ، وما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شئ فهو سبحانه الرب وحده دون غيره . وقد قيل : إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى ، وقيل : حمد على تمام الحجة وقوتها ، وقيل : تلقين للعباد ومعناه قالوا : الحمد لله الذي دلنا على توحيده وهدانا إلى شكر نعمه ، وهي وجوه لا يعبأ بها . وقوله : * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك غيره شيئا ولا يقدر على شئ ، بل يثبتون لأوليائهم شيئا من الملك والقدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعا وخوفا ، هذا حال أكثرهم وأما أقلهم من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا وعنادا . وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه وفيمن يزعمونه شريكا له في الربوبية : وقيل : إنها مثل تمثل به حال الكافر المخذول والمؤمن الموفق ، فإن الكافر لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شئ فلا يعد له إحسان وإن أنفق وبالغ ، بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله لمرضاته ويشكر مساعيه ، فهو ينفق مما عنده