محمد الريشهري

3519

ميزان الحكمة

لا ، بل ظاهر الآيات أن الحسنة تظهر ثقلا في الميزان والسيئة خفة فيه ، كما هو ظاهر قوله : * ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) * ، ونظيره قوله تعالى : * ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ماهية * نار حامية ) * ( 2 ) ، فالآيات - كما ترى - تثبت الثقل في جانب الحسنات دائما والخفة في جانب السيئات دائما . ومن هناك يتأيد في النظر أن هناك أمرا آخر تقايس به الأعمال والثقل له ، فما كان منها حسنة انطبق عليه ووزن به وهو ثقل الميزان ، وما كان منها سيئة لم ينطبق عليه ولم يوزن به وهو خفة الميزان ، كما نشاهده فيما عندنا من الموازين ، فإن فيها مقياسا - وهو الواحد من الثقل كالمثقال - يوضع في إحدى الكفتين ، ثم يوضع المتاع في الكفة الأخرى ، فإن عادل المثقال وزنا بوجه على ما يدل عليه الميزان أخذ به وإلا فهو الترك لا محالة ، والمثقال في الحقيقة هو الميزان الذي يوزن به ، وأما القبان وذو الكفتين ونظائرهما فهي مقدمة لما يبينه المثقال من حال المتاع الموزون به ثقلا وخفة ، كما أن واحد الطول - وهو الذراع أو المتر مثلا - ميزان يوزن به الأطوال فإن انطبق الطول على الواحد المقياس فهو وإلا ترك . ففي الأعمال واحد مقياس توزن به ، فللصلاة مثلا ميزان توزن به ، وهي الصلاة التامة التي هي حق الصلاة ، وللزكاة والإنفاق نظير ذلك ، وللكلام والقول حق القول الذي لا يشتمل على باطل . . . وهكذا ، كما يشير إليه قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) * ( 3 ) . فالأقرب بالنظر إلى هذا البيان أن يكون المراد بقوله : * ( والوزن يومئذ الحق ) * أن الوزن الذي يوزن به الأعمال يومئذ إنما هو الحق ، فبقدر اشتمال العمل على الحق يكون اعتباره وقيمته ، والحسنات مشتملة على الحق فلها ثقل ، كما أن السيئات ليست إلا باطلة فلا ثقل لها ، فالله سبحانه يزن الأعمال يومئذ بالحق ، فما اشتمل عليه العمل من الحق فهو وزنه وثقله ( 4 ) . - الإمام الصادق ( عليه السلام ) - وقد سأله زنديق عن توزين الأعمال - : لا ، إن الأعمال ليست بأجسام ، وإنما هي صفة ما عملوا ، وإنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفتها ، وإن الله لا يخفى عليه شئ . قال : فما معنى الميزان ؟ قال ( عليه السلام ) : العدل .

--> ( 1 ) المؤمنون : 102 ، 103 . ( 2 ) القارعة : 6 - 11 . ( 3 ) آل عمران : 102 . ( 4 ) الميزان : 8 / 10 ، انظر تمام كلامه رضوان الله تعالى عليه .