محمد الريشهري
3498
ميزان الحكمة
مما تقدم من سنة الروم واليونان . وأما الفارس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون التبني ، وكانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء وترث كما يرث الابن والدعي بالسوية ، وكانت تحرم بقية الزوجات ، والبنت المزوجة لا ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت ، والتي لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن ، فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة محرومات ، وكانت الزوجة الكبيرة والابن والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين . وأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا والصغار من البنين ويمتعون أرشد الأولاد ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة ، فإن لم يكن فالعصبة . هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث ، ذكرها وتعرض لها كثير من تواريخ آداب الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها ، من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها . وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين أخرى مختلفة ، وعلى حرمان الصغار والأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية والقيمومة الدائمة غير المنقطعة . 4 - ماذا صنع الإسلام والظرف هذا الظرف ؟ قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله ، وقد بني الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة ، وقد ألغى إرث الأدعياء ، حيث يقول تعالى : * ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) * ( 1 ) . ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنوانا مستقلا يعطى به ويؤخذ ، وإن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا ، وليس ذلك مجرد اختلاف في التسمية ، فإن لكل من الوصية والإرث ملاكا آخر وأصلا فطريا مستقلا ، فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفى فيها أصلا ، وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد وفاته ( وإن شئت قل : حينما يوصي ) فيما يملكه في حياته واحترام مشيته ، فلو أدخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية . وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا إرثا فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد الأمرين إما الرحم وإما احترام إرادة الميت ، بل حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه ، أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت ويشفق عليه ، فكان الإرث على أي حال يبتني
--> ( 1 ) الأحزاب : 4 ، 5 .