محمد الريشهري
2826
ميزان الحكمة
بالصوت ونحوه بخلاف الدعاء . والمعنى - والله أعلم - ومثلك في دعاء الذين كفروا كمثل الذي ينعق من البهائم بما لا يسمع من نعيقه إلا دعاء ونداء ما ، فينزجر بمجرد قرع الصوت سمعه من غير أن يعقل شيئا ، فهم صم لا يسمعون كلاما يفيدهم ، وبكم لا يتكلمون بما يفيد معنى ، وعمي لا يبصرون شيئا فهم لا يعقلون شيئا ، لأن الطرق المؤدية إلى التعقل مسدودة عليهم . ومن ذلك يظهر أن في الكلام قلبا أو عناية أخرى يعود إليه ، فإن المثل بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء مثل الذي يدعوهم إلى الهدى لا مثل الكافرين المدعوين إلى الهدى ، إلا أن الأوصاف الثلاثة التي استنتج واستخرج من المثل وذكرت بعده - وهي قوله : * ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) * - لما كانت أوصافا للذين كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحق استوجب ذلك أن ينسب المثل إلى الذين كفروا لا إلى رسول الله تعالى ، فأنتج ما أشبه القلب ( 1 ) . " قوله تعالى : * ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . . ) * إلى آخر الآية ، يوم عاصف شديد الريح ، تمثيل لأعمال الكفار من حيث تترتب نتائجها عليها ، وبيان أنها حبط باطلة لا أثر لها من جهة السعادة ، فهو كقوله تعالى : * ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) * ( 2 ) ، فأعمالهم كذرات من الرماد اشتدت به الريح في يوم شديد الريح فنثرته ولم يبق منه شيئا ، هذا مثلهم من جهة أعمالهم . ومن هنا يظهر أن لا حاجة إلى تقدير شئ في الكلام وإرجاعه إلى مثل قولنا : مثل أعمال الذين كفروا . . . إلخ ، والظاهر أن الآية ليست من تمام كلام موسى ، بل هي كالنتيجة المحصلة من كلامه المنقول ( 3 ) . قوله تعالى : * ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء . . . ) * إلى آخر الآية ، السراب هو ما يلمع في المفازة كالماء ولا حقيقة له ، والقيع والقاع هو المستوي من الأرض ، ومفرداهما القيعة والقاعة كالتينة والتمرة ، والظمآن هو العطشان . لما ذكر سبحانه المؤمنين ووصفهم بأنهم ذاكرون له في بيوت معظمة لا تلهيهم عنه تجارة ولا بيع ، وأن الله الذي هو نور السماوات والأرض يهديهم بذلك إلى نوره فيكرمهم بنور معرفته ، قابل ذلك بذكر الذين كفروا فوصف أعمالهم تارة بأنها لا حقيقة لها كسراب بقيعة فلا غاية لها تنتهي إليها ، وتارة بأنها كظلمات بعضها فوق بعض لا نور معها وهي حاجزة عن النور ، وهذه الآية هي التي تتضمن الوصف الأول . فقوله : * ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) * شبه أعمالهم - وهي التي يأتون بها من قرابين وأذكار وغيرهما من عباداتهم يتقربون بها إلى
--> ( 1 ) الميزان : 1 / 420 . ( 2 ) الفرقان : 23 . ( 3 ) الميزان : 12 / 36 .