محمد الريشهري
2823
ميزان الحكمة
وأغراضها . والذي يعطيه التدبر في الآيات أن المراد بالكلمة الطيبة - التي شبهت بشجرة طيبة من صفتها كذا وكذا - هو الاعتقاد الحق الثابت ، فإنه تعالى يقول بعد وهو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل : * ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . . . ) * الآية والقول هي الكلمة ولا كل كلمة بما هي لفظ ، بل بما هي معتمدة على اعتقاد وعزم يستقيم عليه الإنسان ولا يزيغ عنه عملا . وقد تعرض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله : * ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا ) * ( 2 ) ، وقوله : * ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل والصالح يرفعه ) * ( 3 ) . وهذا القول والكلمة الطيبة هو الذي يرتب تعالى عليه تثبيته في الدنيا والآخرة أهله ، وهم الذين آمنوا ثم يقابله بإضلال الظالمين ، ويقابله بوجه آخر بشأن المشركين ، وبهذا يظهر أن المراد بالممثل هو كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله حق شهادته . فالقول بالوحدانية والاستقامة عليه هو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كل تغير وزوال وبطلان وهو الله عز اسمه أو أرض الحقائق ، وله فروع نشأت ونمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقة فرعية وأخلاق زاكية وأعمال صالحة يحيى بها المؤمن حياته الطيبة ويعمر بها العالم الإنساني حق عمارته ، وهي التي تلائم سير النظام الكوني الذي أدى إلى ظهور الإنسان بوجوده المفطور على الاعتقاد الحق والعمل الصالح . والكمل من المؤمنين - وهم الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا فتحققوا بهذا القول الثابت والكلمة الطيبة - مثلهم كمثل قولهم الذي ثبتوا لا يزال الناس منتفعين بخيرات وجودهم ومنعمين ببركاتهم . وكذلك كل كلمة حقة وكل عمل صالح مثله هذا المثل ، له أصل ثابت وفروع رشيده وثمرات طيبة مفيدة نافعة . فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيده التعبير بكلمة طيبة بلفظ النكرة ، غير أن المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد الذي يتفرع عليه سائر الاعتقادات الحقة ، وينمو عليه الأخلاق الزاكية وتنشأ منه الأعمال الصالحة . ثم ختم الله سبحانه الآية بقوله : * ( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) * ليتذكر به المتذكر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقق بكلمة التوحيد والاستقامة عليها ( 4 ) . ( انظر ) البحار : 24 / 136 باب 44 .
--> ( 1 ) الأحقاف : 13 . ( 2 ) حم السجدة : 30 . ( 3 ) فاطر : 10 . ( 4 ) الميزان : 12 / 51 .