محمد الريشهري
3418
ميزان الحكمة
نيته ، فلذلك الوقت نية المؤمن خير من عمله . وفي وجه آخر أنها لا يفارقه عقله أو نفسه ، والأعمال قد يفارقه قبل مفارقة العقل والنفس ( 1 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) : رب نية أنفع من عمل ( 2 ) . أقول : في البحار بعد ذكر وجوه في تفسير قوله ( عليه السلام ) : " نية المؤمن خير من عمله " ما نصه : وبعد ما أحطت خبرا بما ذكرناه نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الإعراض عن الفضول ، وهو الحق الحقيق بالقبول . فاعلم أن الإشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية ، وتوهم أنها تصور الغرض والغاية وإخطارها بالبال ، وإذا حققتها كما أومأنا إليه سابقا عرفت أن تصحيح النية من أشق الأعمال وأحمزها ، وأنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها ، وكمال الأعمال وقبولها وفضلها منوط بها ، ولا يتيسر تصحيحها إلا بإخراج حب الدنيا وفخرها وعزها من القلب ، برياضات شاقة ، وتفكرات صحيحة ، ومجاهدات كثيرة ، فإن القلب سلطان البدن ، وكلما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح ، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه وتصرف فيه يستخدم سائر الجوارح والقوى ، ويحكم عليها ، ولا تستقر فيه محبتان غالبتان ، كما قال الله عز وجل : يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد ، وكذلك الأذهان ( 3 ) ، وقال سبحانه : * ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) * ( 4 ) . فالدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب ، فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلا إليه ، ولا يعمل عملا إلا ومقصوده الحقيقي فيه تحصيله ، وإن ادعى غيره كان كاذبا ، ولذا يطلب الأعمال التي وعد فيها كثرة المال ولا يتوجه إلى الطاعات التي وعد فيها قرب ذي الجلال ، وكذا من استولى عليه حب الجاه ليس مقصوده في أعماله إلا ما يوجب حصوله ، وكذا سائر الأغراض الباطلة الدنيوية ، فلا يخلص العمل لله سبحانه وللآخرة إلا بإخراج حب هذه الأمور من القلب ، وتصفيته عما يوجب البعد عن الحق . فللناس في نياتهم مراتب شتى بل غير متناهية بحسب حالاتهم ، فمنها ما يوجب فساد العمل وبطلانه ، ومنها ما يوجب صحته ، ومنها ما يوجب كماله ، ومراتب كماله أيضا كثيرة ( 5 ) . [ 3984 ] الحث على النية في كل شئ - رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أبا ذر ! ليكن لك في كل شئ نية صالحة حتى في النوم والأكل ( 6 ) .
--> ( 1 ) البحار : 70 / 210 / 31 . ( 2 ) غرر الحكم : 5297 . ( 3 ) راجع الكافي : 2 / 343 / 3 ، ثواب الأعمال : 240 . كما في هامش البحار . ( 4 ) الأحزاب : 4 . ( 5 ) البحار : 70 / 193 ، 194 . ( 6 ) مكارم الأخلاق : 2 / 370 / 2661 .