محمد الريشهري

3412

ميزان الحكمة

وكلامه سبحانه يؤيد ما تقدم على ما يعطيه التدبر ، فهو سبحانه القائل : * ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) * ( 1 ) وانضمام الآية إلى الآيات الدالة على عموم الدعوة - كقوله : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * ( 2 ) - يفيد أن تأثير البنى الإنسانية في الصفات والأعمال على نحو الاقتضاء دون العلية التامة كما هو ظاهر . كيف ؟ ! وهو تعالى يعد الدين فطريا تهتف به الخلقة التي لا تبديل لها ولا تغيير ، قال : * ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) * ( 3 ) ، وقال : * ( ثم السبيل يسره ) * ( 4 ) ولا تجامع دعوة الفطرة إلى الدين الحق والسنة المعتدلة دعوة الخلقة إلى الشر والفساد والانحراف عن الاعتدال بنحو العلية التامة . وقول القائل : إن السعادة والشقاوة ذاتيتان لا تتخلفان عن ملزومهما كزوجية الأربعة وفردية الثلاثة أو مقضيتان بقضاء أزلي لازم ، وأن الدعوة لإتمام الحجة لا لإمكان التغيير ورجاء التحول من حال إلى حال ، فالأمر مفروغ عنه قال تعالى : * ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) * . مدفوع : بأن صحة إقامة الحجة بعينها حجة على عدم كون سعادة السعيد وشقاوة الشقي لازمة ضرورية ، فإن السعادة والشقاوة لو كانتا من لوازم الذوات لم تحتاجا في لحوقهما إلى حجة ، إذ لا حجة في الذاتيات فتلغو الحجة ، وكذا لو كانتا لازمتين للذوات بقضاء لازم أزلي لا لاقتضاء ذاتي من الذوات كانت الحجة للناس على الله سبحانه ، فتلغو الحجة منه تعالى ، فصحة إقامة الحجة من قبله سبحانه تكشف عن عدم ضرورية شئ من السعادة والشقاوة بالنظر إلى ذات الإنسان مع قطع النظر عن أعماله الحسنة والسيئة واعتقاداته الحقة والباطلة . على أن توسل الإنسان بالفطرة إلى مقاصد الحياة - بمثل التعليم والتربية والإنذار والتبشير والوعد والوعيد والأمر والنهي وغير ذلك - أوضح دليل على أن الإنسان في نفسه على ملتقى خطين ومنشعب طريقين : السعادة والشقاوة ، وفي إمكانه أن يختار أيا منهما شاء وأن يسلك أيا منهما أراد ، ولكل سعي جزاء يناسبه ، قال تعالى : * ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) * ( 5 ) . فهذا نوع من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الذوات ، وهناك نوع آخر من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الأوضاع والأحوال والعوامل الخارجة عن الذات الإنسانية المستقرة في ظرف الحياة وجو العيش ، كالآداب والسنن والرسوم والعادات التقليدية ، فإنها تدعو الإنسان إلى ما يوافقها وتزجره عن مخالفتها ، ولا تلبث دون أن تصوره صورة جديدة

--> ( 1 ) الأعراف : 58 . ( 2 ) الأنعام : 19 . ( 3 ) الروم : 30 . ( 4 ) عبس : 20 . ( 5 ) النجم : 39 - 41 .