محمد الريشهري

3332

ميزان الحكمة

لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنه ، ولا نوع التربية التي سنها الأنبياء في شرائعهم ، فإن المسلك الأول كما عرفت مبني على العقائد العامة الاجتماعية في الحسن والقبح ، والمسلك الثاني مبني على العقائد العامة الدينية في التكاليف العبودية ومجازاتها ، وهذا المسلك الثالث مبني على التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الإسلام على مشرعه وآله أفضل الصلاة ، هذا . فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدن الإسلام ، وحاصله : أن الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤون المدينة التي بسطتها الدعوة الدينية الإسلامية بين الناس من متبعيها ، والمزايا والخصائص التي خلفها وورثها فيهم من تقدم الحضارة وتعالي المدنية ، وأما المعارف الدينية التي يشتمل عليها الإسلام فهي مواد أخلاقية يشترك فيها جميع النبوات ، ويدعو إليها جميع الأنبياء ، هذا . وأنت بالإحاطة بما قدمناه من البيان تعرف سقوط نظره وخبط رأيه ، فإن النتيجة فرع لمقدمتها ، والآثار الخارجية المترتبة على التربية إنما هي مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف التي تلقاها المتعلم المتربي ، وليسا سواء قول يدعو إلى حق نازل وكمال متوسط وقول يدعو إلى محض الحق وأقصى الكمال ، وهذا حال هذا المسلك الثالث ، فأول المسالك يدعو إلى الحق الاجتماعي ، وثانيها يدعو إلى الحق الواقعي والكمال الحقيقي الذي فيه سعادة الإنسان في حياته الآخرة ، وثالثها يدعو إلى الحق الذي هو الله ، ويبني تربيته على أن الله سبحانه واحد لا شريك له ، وينتج العبودية المحضة ، وكم بين المسالك من فرق ! . وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنساني جما غفيرا من العباد الصالحين ، والعلماء الربانيين ، والأولياء المقربين رجالا ونساء ، وكفى بذلك شرفا للدين . على أن هذا المسلك ربما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج ، فإن بناءه على الحب العبودي ، وإيثار جانب الرب على جانب العبد ، ومن المعلوم أن الحب والوله والتيم ربما يدل الإنسان المحب على أمور لا يستصوبه العقل الاجتماعي الذي هو ملاك الأخلاق الاجتماعية ، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية ، فللعقل أحكام ، وللحب أحكام ، وسيجئ توضيح هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية إن شاء الله تعالى ( 1 ) . [ 3920 ] أنفع التحقيق - الإمام علي ( عليه السلام ) : استدراك فساد النفس من أنفع التحقيق ( 2 ) . - عنه ( عليه السلام ) : من استدرك فوارطه أصلح ( 3 ) .

--> ( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 354 . ( 2 ) غرر الحكم : 1480 ، 7809 . ( 3 ) غرر الحكم : 1480 ، 7809 .