محمد الريشهري
2956
ميزان الحكمة
والظلمة من النور . وقوله : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * غاية خلقه تعالى الموت والحياة ، والبلاء الامتحان ، والمراد أن خلقكم هذا النوع من الخلق - وهو أنكم تحيون ثم تموتون - خلق مقدمي امتحاني يمتاز به منكم من هو أحسن عملا من غيره ، ومن المعلوم أن الامتحان والتمييز لا يكون إلا لأمر ما يستقبلكم بعد ذلك وهو جزاء كل بحسب عمله . وفي الكلام مع ذلك إشارة إلى أن المقصود بالذات من الخلقة هو إيصال الخير من الجزاء ، حيث ذكر حسن العمل وامتياز من جاء بأحسنه ، فالمحسنون عملا هم المقصودون بالخلقة وغيرهم مقصودون لأجلهم . وقد ذيل الكلام بقوله : * ( وهو العزيز الغفور ) * فهو العزيز لأن الملك والقدرة المطلقين له وحده ، فلا يغلبه غالب وما أقدر أحدا على مخالفته إلا بلاء وامتحانا وسينتقم منهم ، وهو الغفور لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم في الدنيا وسيغفر كثيرا منها في الآخرة كما وعد . وفي التذييل بالاسمين مع ذلك تخويف وتطميع على ما يدعو إلى ذلك سياق الدعوة . واعلم أن مضمون الآية ليس مجرد دعوى خالية عن الحجة يراد به التلقين كما ربما يتوهم بل هي مقدمة قريبة من الضرورة - أو هي ضرورية - تستدعي الحكم بضرورة البعث للجزاء ، فإن الإنسان المتلبس بهذه الحياة الدنيوية الملحوقة للموت لا يخلو من أن يحصل له وصف حسن العمل أو خلافه ، وهو مجهز بحسب الفطرة بما لولا عروض عارض السوء لساقه إلى حسن العمل ، وقلما يخلو إنسان من حصول أحد الوصفين كالأطفال ومن في حكمهم . والوصف الحاصل المترتب على وجود الشئ الساري في أغلب أفراده غاية في وجوده مقصودة في إيجاده ، فكما أن الحياة النباتية لشجرة كذا إذ كانت تؤدي في الغالب إلى إثمارها ثمرة كذا يعد ذلك غاية لوجودها مقصودة منها كذلك حسن العمل والصلاح غاية لخلق الإنسان ، ومن المعلوم أيضا أن الصلاح وحسن العمل لو كان مطلوبا لكان مطلوبا لغيره لا لنفسه ، والمطلوب بالذات الحياة الطيبة التي لا يشوبها نقص ولا يعرضها لغو ولا تأثيم ، فالآية في معنى قوله : * ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) * ( 1 ) . [ 3718 ] اليقين بالموت - الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ما خلق الله عز وجل يقينا لاشك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ( 2 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) : ما رأيت إيمانا مع يقين أشبه منه بشك على هذا الإنسان ، إنه كل يوم يودع إلى القبور ، ويشيع ، وإلى غرور
--> ( 1 ) الميزان : 19 / 349 والآية ، الأنبياء : 35 . ( 2 ) الفقيه : 1 / 194 / 596 .