محمد الريشهري

2935

ميزان الحكمة

والجن جسم لطيف يتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير ، فمما لا دليل عليه من عقل ولا نقل من كتاب أو سنة معتبرة ، وأما ما ادعاه بعضهم من إجماع المسلمين على ذلك - فمضافا إلى منعه - لا دليل على حجيته في أمثال هذه المسائل الاعتقادية ( 1 ) . كلام في أن الملائكة وسائط في التدبير : الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءا وعودا على ما يعطيه القرآن الكريم ، بمعني أنهم أسباب للحوادث فوق الأسباب المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة وبعده . أما في العود - أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب القبر وعذابه وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك والحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين والحساب والسوق إلى الجنة والنار - فوساطتهم فيها غني عن البيان ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها ، والأخبار المأثورة فيها عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) فوق حد الإحصاء . وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار . وأما وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها ما في مفتتح هذه السورة من إطلاق قوله : * ( والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا ) * بما تقدم من البيان . وكذا قوله تعالى : * ( جاعل الملائكة رسلا اولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) * ( 2 ) الظاهر بإطلاقه - على ما تقدم من تفسيره - في أنهم خلقوا وشأنهم أن يتوسطوا بينه تعالى وبين خلقه ويرسلوا لإنفاذ أمره الذي يستفاد من قوله تعالى في صفتهم : * ( بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) * ( 3 ) ، وقوله : * ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) * ( 4 ) وفي جعل الجناح لهم إشارة ذلك . فلا شغل للملائكة إلا التوسط بينه تعالى وبين خلقه بإنفاذ أمره فيهم ، وليس ذلك على سبيل الاتفاق بأن يجري الله سبحانه أمرا بأيديهم ثم يجري مثله لا بتوسيطهم فلا اختلاف ولا تخلف في سنته تعالى : * ( إن ربي على صراط مستقيم ) * ( 5 ) ، وقال : * ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) * ( 6 ) . ومن الوساطة كون بعضهم فوق بعض مقاما وأمر العالي منهم السافل بشئ من التدبير ، فإنه في الحقيقة توسط من المتبوع بينه تعالى وبين تابعه في إيصال أمر الله تعالى ، كتوسط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من

--> ( 1 ) الميزان : 17 / 12 . ( 2 ) فاطر : 1 . ( 3 ) الأنبياء : 26 - 27 . ( 4 ) النحل : 50 . ( 5 ) هود : 56 . ( 6 ) فاطر : 43 .