محمد الريشهري
2914
ميزان الحكمة
إلى الدهاء والعقل ، وينسبونه ( عليه السلام ) إلى ضعف الرأي ، لما كانوا يرون من إصابة حيل معاوية المبنية على الكذب والغدر والمكر ، فبين ( عليه السلام ) أنه أعرف بتلك الحيل منه ، ولكنها لما كانت مخالفة لأمر الله ونهيه فلذا لم يستعملها ، كما روى السيد ( رضي الله عنه ) في نهج البلاغة عنه صلوات الله عليه أنه قال : ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، مالهم قاتلهم الله ؟ ! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ، ودونه مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين . والحريجة التقوى ، وقال بعض الشراح في تفسير هذا الكلام : وذلك لجهل الفريقين بثمرة الغدر ، وعدم تمييزهم بينه وبين الكيس ، فإنه لما كان الغدر هو التفطن بوجه الحيلة وإيقاعها على المغدور به ، وكان الكيس هو التفطن بوجه الحيلة والمصالح فيما ينبغي ، كانت بينهما مشاركة في التفطن بالحيلة واستخراجها بالآراء ، إلا أن تفطن الغادر بالحيلة التي هو غير موافقة للقوانين الشرعية والمصالح الدينية ، والكيس هو التفطن بالحيلة الموافقة لهما ، ولدقة الفرق بينهما يلبس الغادر غدره بالكيس وينسبه الجاهلون إلى حسن الحيلة كما نسب ذلك إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأضرابهم ، ولم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور ، وأنه لا حسن لحيلة جرت إلى رذيلة ، بخلاف حيلة الكيس ومصلحته فإنها تجر إلى العدل . انتهى . وقد صرح ( عليه السلام ) بذلك في مواضع يطول ذكرها ، وكونه ( عليه السلام ) أعرف بتلك الأمور وأقدر عليها ظاهر ، لأن مدار المكر على استعمال الفكر في درك الحيل ، ومعرفة طرق المكروهات ، وكيفية إيصالها إلى الغير على وجه لا يشعر به ، وهو ( عليه السلام ) لسعة علمه كان أعرف الناس بجميع الأمور ، والمراد بكونهما في النار كون المتصف بهما فيها ، والإسناد على المجاز ( 1 ) . ( انظر ) الحرب : باب 765 . [ 3699 ] مكر الله الكتاب * ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) * ( 2 ) . * ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) * ( 3 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) : من أمن مكر الله هلك ( 4 ) . - الإمام الصادق ( عليه السلام ) : إذا رأيتم العبد يتفقد الذنوب من الناس ناسيا لذنبه فاعلموا أنه قد مكر به ( 5 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) : لا تأمنن على خير هذه الأمة عذاب الله لقوله تعالى : * ( فلا يأمن مكر الله
--> ( 1 ) البحار : 75 / 286 . ( 2 ) الأنفال : 30 . ( 3 ) النمل : 50 ، 51 . ( 4 ) غرر الحكم : 8375 . ( 5 ) تحف العقول : 364 .