محمد الريشهري
2870
ميزان الحكمة
ويستفاد منه ومن نظائره أيضا : أولا : أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في الإسلام أن تشتغل بتدبير أمور المنزل الداخلية وتربية الأولاد ، وهذه وإن كانت سنة مسنونة غير مفروضة لكن الترغيب والتحريض الندبي - والظرف ظرف الدين ، والجو جو التقوى - وابتغاء مرضاة الله ، وإيثار مثوبة الآخرة على عرض الدنيا ، والتربية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفة والحياء ومحبة الأولاد ، والتعلق بالحياة المنزلية ، كانت تحفظ هذه السنة . وكان الاشتغال بهذه الشؤون والاعتكاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة في وجودهن يشغلهن عن الورود في مجامع الرجال ، واختلاطهن بهم في حدود ما أباح الله لهن ، ويشهد بذلك بقاء هذه السنة بين المسلمين على ساقها قرونا كثيرة بعد ذلك حتى نفذ فيهن الاسترسال الغربي المسمى بحرية النساء في المجتمع ، فجرت إليهن وإليهم هلاك الأخلاق وفساد الحياة وهم لا يشعرون ، وسوف يعلمون ، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء ، وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولكن كذبوا فاخذوا . وثانيا : أن من السنة المفروضة في الإسلام منع النساء من القيام بأمر الجهاد كالقضاء والولاية . وثالثا : أن الإسلام لم يهمل أمر هذه الحرمانات كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل الله دون أن تداركها وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا وفضائل فيها مفاخر حقيقية ، كما أنه جعل حسن التبعل مثلا جهادا للمرأة ، وهذه الصنائع والمكارم أوشك أن لا يكون لها عندنا - وظرفنا هذا الظرف الحيوي الفاسد - قدر ، لكن الظرف الإسلامي الذي يقوم الأمور بقيمها الحقيقية ، ويتنافس فيه في الفضائل الإنسانية المرضية عند الله سبحانه ، وهو يقدرها حق قدرها ، يقدر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي ندب إليه ، وللزومه الطريق الذي خط له من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانية وتتوازن أعمالها ، فلا فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المهج - على ما فيه من الفضل - على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية ، وكذا لافخار لوال يدير رحى المجتمع الحيوي ، ولا لقاض يتكي على مسند القضاء ، وهما منصبان ليس للمتقلد بهما في الدنيا - لو عمل فيما عمل بالحق وجرى فيما جرى على الحق - إلا تحمل أثقال الولاية والقضاء ، والتعرض لمهالك ومخاطر تهددهما حينا بعد حين في حقوق من لا حامي له إلا رب العالمين - وإن ربك لبالمرصاد - فأي فخر لهؤلاء على من منعه الدين الورود موردهما ، وخط له خطا وأشار إليه بلزومه وسلوكه ؟ ! فهذه المفاخر إنما يحييها ويقيم صلبها - بإيثار الناس لها - نوع المجتمع الذي يربي أجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض ، واختلاف الشؤون الاجتماعية والأعمال الإنسانية بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها مما لا يسع أحدا إنكاره .