محمد الريشهري
2857
ميزان الحكمة
مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر ، وصالح أو طالح ، ونبي أو من دونه ، فهي سنة جارية لا يستثنى منها أحد . فقد بان أن سنة الامتحان سنة إلهية جارية ، وهي سنة عملية متكئة على سنة أخرى تكوينية ، وهي سنة الهداية العامة الإلهية من حيث تعلقها بالمكلفين كالإنسان وما يتقدمها وما يتأخر عنها أعني القدر والأجل كما مر بيانه . ومن هنا يظهر أنها غير قابلة للنسخ ، فإن انتساخها عين فساد التكوين وهو محال ، ويشير إلى ذلك ما يدل من الآيات على كون الخلقة على الحق ، وما يدل على كون البعث حقا ، كقوله تعالى : * ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ) * ( 1 ) وقوله تعالى : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) * ( 2 ) وقوله تعالى : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * ( 3 ) وقوله تعالى : * ( من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ) * ( 4 ) إلى غيرها ، فإن جميعها تدل على أن الخلقة بالحق وليست باطلة مقطوعة عن الغاية ، وإذا كانت أمام الأشياء غايات وآجال حقة ومن ورائها مقادير حقة ومعها هداية حقة فلا مناص عن تصادمها عامة ، وابتلاء أرباب التكليف منها خاصة بأمور يخرج بالاتصال بها ما في قوتها - من الكمال والنقص والسعادة والشقاء - إلى الفعل ، وهذا المعنى في الإنسان المكلف بتكليف الدين امتحان وابتلاء ، فافهم ذلك . ويظهر مما ذكرناه معنى المحق والتمحيص أيضا ، فإن الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل ، أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، صدق عليه اسم التمحيص وهو التمييز . وكذا إذا توالت الامتحانات الإلهية على الكافر والمنافق وفي ظاهرهما صفات وأحوال حسنة مغبوطة فأوجبت تدريجا ظهور ما في باطنهما من الخبائث ، وكلما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهرية كان ذلك محقا له أي إنفادا تدريجيا لمحاسنها ، قال تعالى : * ( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) * ( 5 ) . وللكافرين محق آخر من جهة ما يخبره تعالى أن الكون ينساق إلى صلاح البشر وخلوص الدين لله ، قال تعالى : * ( والعاقبة للتقوى ) * ( 6 ) وقال : * ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) * ( 7 ) ( 8 ) .
--> ( 1 ) الأحقاف : 3 . ( 2 ) المؤمنون : 115 . ( 3 ) الدخان : 38 ، 39 . ( 4 ) العنكبوت : 5 . ( 5 ) آل عمران : 140 ، 141 . ( 6 ) طه : 132 . ( 7 ) الأنبياء : 105 . ( 8 ) الميزان : 4 / 31 .