محمد الريشهري

2573

ميزان الحكمة

في الجملة أنه لم يخلق الخلق عبثا ، وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة ، ودل على ذلك بالعقل والسمع ، فقال سبحانه : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) * ( 1 ) وقال : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) * ( 2 ) وقال : * ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) * ( 3 ) يعني بحق ووضعناه في موضعه ، وقال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( 4 ) وقال فيما تعبد : * ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) * ( 5 ) . وقد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند خلقه كفار ، أو يتوب عند ذلك فساق ، أو ينتفع به مؤمنون ، أو يتعظ به ظالمون ، أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك ، أو يكون عبرة لواحد في الأرض أو في السماء ، وذلك يغيب عنا ، وإن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع الله تعالى إنما صنعه لأغراض حكمية ، ولم يصنعه عبثا ، وكذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لأنها تقربنا من طاعته وتبعدنا عن معصيته ، وتكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم . فلما خفيت هذه الوجوه وكانت مستورة عنا ولم يقع دليل على التفصيل فيها - وإن كان العلم بأنها حكمة في الجملة - كان النهي عن الكلام في معنى القضاء والقدر إنما هو عن طلب علل لها مفصلة فلم يكن نهيا عن الكلام في معنى القضاء والقدر . هذا إن سلمت الأخبار التي رواها أبو جعفر رحمه الله ، فأما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا عهدة الكلام فيها ، والحديث الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما روى ، والمعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء خفاء ، وهو مؤيد للقول بالعدل ، ألا ترى إلى ما رواه عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) من قوله : إذا حشر الله تعالى الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم . وقد نطق القرآن بأن الخلق مسؤولون عن أعمالهم " انتهى كلامه ( 6 ) رحمه الله . وأقول ( 7 ) : من تفكر في الشبهة الواردة على اختيار العباد وفروع مسألة الجبر والاختيار والقضاء والقدر علم سر نهي المعصوم عن التفكر فيها ، فإنه قل من أمعن النظر فيها ولم يزل قدمه إلا من عصمه الله بفضله ( 8 ) . كلام في القضاء في فصول : 1 - في تحصيل معناه وتحديده : إنا نجد الحوادث الخارجية والأمور الكونية - بالقياس إلى عللها والأسباب المقتضية لها - على إحدى حالتين ، فإنها قبل أن تتم عللها الموجبة لها والشرائط وارتفاع الموانع التي يتوقف عليها حدوثها وتحققها لا يتعين لها التحقق والثبوت ولا عدمه ، بل يتردد أمرها بين أن تتحقق وأن

--> ( 1 ) الأنبياء : 16 . ( 2 ) المؤمنون : 115 . ( 3 ) القمر : 49 . ( 4 ) الذاريات : 56 . ( 5 ) الحج : 37 . ( 6 ) أي كلام الشيخ المفيد ( رحمه الله ) . ( 7 ) القائل المجلسي ( رحمه الله ) . ( 8 ) البحار : 5 / 97 - 101 / 22 - 24 .