محمد الريشهري
2571
ميزان الحكمة
" اعتقادنا في القضاء والقدر قول الصادق ( عليه السلام ) لزرارة حين سأله فقال : ما تقول في القضاء والقدر ؟ قال : أقول : إن الله عز وجل إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم ، ولم يسألهم عما قضى عليهم ، والكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لرجل قد سأله عن القدر : فقال : بحر عميق فلا تلجه ، ثم سأله ثانية فقال : طريق مظلم فلا تسلكه ، ثم سأله ثالثة فقال : سر الله فلا تتكلفه . وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في القدر : ألا إن القدر سر من سر الله ( 1 ) ، وحرز من حرز الله ، مرفوع في حجاب الله ، مطوي عن خلق الله ، مختوم بخاتم الله ، سابق في علم الله ، وضع الله عن العباد علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ، لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية ، ولا بقدرة الصمدانية ، ولا بعظمة النورانية ، ولا بعزة الوحدانية ، لأنه بحر زاخر مواج ، خالص لله عز وجل ، عمقه ما بين السماء والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود كالليل الدامس ، كثير الحيات والحيتان ، تعلو مرة وتسفل أخرى ، في قعره شمس تضئ ، لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد ، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه ، ونازعه في سلطانه ، وكشف عن سره وستره ، وباء بغضب من الله ، ومأواه جهنم ، وبئس المصير . وروي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عدل من عند حائط مائل إلى مكان آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ فقال ( عليه السلام ) أفر من قضاء الله إلى قدر الله . وسئل الصادق ( عليه السلام ) عن الرقى هل تدفع من القدر شيئا ؟ فقال : هي من القدر " . وقال الشيخ المفيد ( رحمه الله ) في شرح هذا الكلام : " عمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذ لها وجوه تعرفها العلماء متى صحت وثبت إسنادها ، ولم يقل فيه قولا محصلا ، وقد كان ينبغي له لما لم يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه . والقضاء معروف في اللغة ، وعليه شواهد من القرآن ، فالقضاء على أربعة أضراب : أحدها الخلق ، والثاني الأمر ، والثالث الإعلام ، والرابع القضاء بالحكم . فأما شاهد الأول فقوله تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات ) * ( 2 ) ، وأما الثاني فقوله تعالى : * ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) * ( 3 ) ، وأما الثالث فقوله تعالى : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل ) * ( 4 ) ، وأما الرابع فقوله : * ( والله يقضي بالحق ) * ( 5 ) يعني يفصل بالحكم بالحق بين الخلق ، وقوله : * ( وقضى بينهم بالحق ) * ( 6 ) . وقد قيل : إن للقضاء معنى خامسا وهو الفراغ من الأمر ، واستشهد على ذلك بقول يوسف ( عليه السلام ) : " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ( 7 ) يعني فرغ منه ، وهذا يرجع إلى معنى الخلق . وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة : إن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله
--> ( 1 ) في الاعتقادات للشيخ الصدوق : " سر من سر الله ، وستر من ستر الله " . كما في هامش البحار . ( 2 ) فصلت : 12 . ( 3 ) الاسراء : 23 ، 4 . ( 4 ) الاسراء : 23 ، 4 . ( 5 ) غافر : 20 . ( 6 ) الزمر : 69 . ( 7 ) يوسف : 41 .