محمد الريشهري
2565
ميزان الحكمة
- رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أيها الناس ، إنما أنا بشر مثلكم ، ولعله أن يكون قد قرب مني خفوف من بين أظهركم ، فمن كنت أصبت من عرضه أو من شعره أو من بشره أو من ماله شيئا ، هذا عرض محمد وشعره وبشره وماله فليقم فليقتص ! ولا يقولن أحد منكم : إني أتخوف من محمد العداوة والشحناء ، ألا وإنهما ليستا من طبيعتي وليستا من خلقي ( 1 ) . بحث علمي : كانت العرب أوان نزول آية القصاص وقبله تعتقد القصاص بالقتل لكنها ما كانت تحده بحد ، وإنما يتبع ذلك قوة القبائل وضعفها ، فربما قتل الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فسلك في القتل مسلك التساوي ، وربما قتل العشرة بالواحد والحر بالعبد والرئيس بالمرؤوس ، وربما أبادت قبيلة قبيلة أخرى لواحد قتل منها . وكانت اليهود تعتقد القصاص كما ورد في الفصل الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد ، وقد حكاه القرآن حيث قال تعالى : * ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص ) * ( 2 ) . وكانت النصارى على ما يحكى لا ترى في مورد القتل إلا العفو والدية ، وسائر الشعوب والأمم على اختلاف طبقاتهم ما كانت تخلو عن القصاص في القتل في الجملة وإن لم يضبطه ضابط تام حتى القرون الأخيرة . والإسلام سلك في ذلك مسلكا وسطا بين الإلغاء والإثبات ، فأثبت القصاص وألغى تعينه بل أجاز العفو والدية ، ثم عدل القصاص بالمعادلة بين القاتل والمقتول ، فالحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى . وقد اعترض على القصاص مطلقا وعلى القصاص بالقتل خاصة بأن القوانين المدنية التي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجراءها بين البشر اليوم . قالوا : إن القتل بالقتل مما يستهجنه الإنسان وينفر عنه طبعه ويمنع عنه وجدانه إذا عرض عليه رحمة وخدمة للإنسانية . وقالوا : إذا كان القتل الأول فقدا لفرد فالقتل الثاني فقد على فقد . وقالوا : إن القتل بالقصاص من القسوة وحب الانتقام ، وهذه صفة يجب أن تزاح عن الناس بالتربية العامة ويؤخذ في القاتل أيضا بعقوبة التربية ، وذلك إنما يكون بما دون القتل من السجن والأعمال الشاقة . وقالوا : إن المجرم إنما يكون مجرما إذا كان مريض العقل ، فالواجب أن يوضع القاتل المجرم في المستشفيات العقلية ويعالج فيها . وقالوا : إن القوانين المدنية تتبع الاجتماع الموجود ، ولما كان الاجتماع غير ثابت على حال واحد كانت القوانين كذلك ، فلا وجه لثبوت القصاص بين الاجتماع للأبد حتى الاجتماعات الراقية اليوم ، ومن اللازم أن يستفيد الاجتماع من وجود أفرادها ما استيسر ، ومن الممكن أن يعاقب
--> ( 1 ) كنز العمال : 39831 . ( 2 ) المائدة : 45 .