محمد الريشهري
2490
ميزان الحكمة
كساؤها على باب الكعبة بعد تمام بنائها . وأما كسوة البيت نفسه فيقال : إن أول من كساها تبع أبو بكر أسعد ، كساها بالبرود المطرزة بأسلاك الفضة ، وتبعه خلفاؤه ، ثم أخذ الناس يكسونها بأردية مختلفة فيضعونها بعضها على بعض ، وكلما بلى منها ثوب وضع عليها آخر إلى زمن قصي ، ووضع قصي على العرب رفادة لكسوتها سنويا واستمر ذلك في بنيه ، وكان أبو ربيعة ابن المغيرة يكسوها سنة وقبائل قريش سنة . وقد كساها النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالثياب اليمانية ، وكان على ذلك حتى إذا حج الخليفة العباسي المهدي شكا إليه سدنة الكعبة من تراكم الأكسية على سطح الكعبة ، وذكروا أنه يخشى سقوطه ، فأمر برفع تلك الأكسية وإبدالها بكسوة واحدة كل سنة ، وجرى العمل على ذلك حتى اليوم ، وللكعبة كسوة من داخل ، وأول من كساها من داخل أم العباس بن عبد المطلب لنذر نذرته في ابنها العباس . منزلة الكعبة : كانت الكعبة مقدسة معظمة عند الأمم المختلفة ، فكانت الهنود يعظمونها ويقولون : إن روح " سيفا " وهو الأقنوم ( 1 ) الثالث عندهم حلت في الحجر الأسود حين زار مع زوجته بلاد الحجاز . وكانت الصائبة من الفرس والكلدانيين يعدونها أحد البيوت السبعة المعظمة ( 2 ) ، وربما قيل : إنه بيت زحل لقدم عهده وطول بقائه . وكانت الفرس يحترمون الكعبة أيضا زاعمين أن روح هرمز حلت فيها ، وربما حجوا إليها زائرين . وكانت اليهود يعظمونها ويعبدون الله فيها على دين إبراهيم ، وكان بها صور وتماثيل ، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل ، وبأيديهما الأزلام ، ومنها صورتا العذراء والمسيح ، ويشهد ذلك على تعظيم النصارى لأمرها أيضا كاليهود . وكانت العرب أيضا تعظمها كل التعظيم ، وتعدها بيتا لله تعالى ، وكانوا يحجون إليها من كل جهة ، وهم يعدون البيت بناء لإبراهيم ، والحج من دينه الباقي بينهم بالتوارث . ولاية الكعبة : كانت الولاية على الكعبة لإسماعيل ثم لولده من بعده ، حتى تغلبت عليهم جرهم فقبضوا بولايتها ، ثم ملكتها العماليق ، وهم طائفة من بني كركر بعد حروب وقعت بينهم ، وقد كانوا ينزلون أسفل مكة كما أن جرهم كانت تنزل أعلى مكة وفيهم ملوكهم . ثم كانت الدائرة لجرهم على العماليق فعادت الولاية إليهم فتولوها نحوا من ثلاثمائة سنة ، وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان في بناء إبراهيم . ثم لما نشأت ولد إسماعيل وكثروا وصاروا ذوي قوة ومنعة وضاقت بهم الدار حاربوا جرهم
--> ( 1 ) الأقنوم : الأصل ، جمعه : الأقانيم . ( لسان العرب : 12 / 496 ) . ( 2 ) البيوت المعظمة هي : 1 - الكعبة ، 2 - مارس على رأس جبال بأصفهان ، 3 - مندوسان ببلاد الهند ، 4 - نوبهار بمدينة بلخ ، 5 - بيت غمدان بمدينة صنعاء ، 6 - كاوسان بمدينة فرغانة من خراسان ، 7 - بيت بأعالي بلاد الصين . كما في هامش الميزان .