محمد الريشهري
2487
ميزان الحكمة
والأعصار . فجميع هذه المعاني والقواعد المستقرة عليها من صنع الطبيعة الإنسانية بإلهام من الله سبحانه ، تلطفت بها طبيعة الإنسان لتمثل بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج ، ثم تتحرك إليها بالعمل والفعل والترك والاستكمال . والتوجه العبادي إلى الله سبحانه ، وهو المنزه عن شؤون المادة ، والمقدس عن تعلق الحس المادي إذا أريد أن يتجاوز حد القلب والضمير ، وتنزل على موطن الأفعال - وهي لا تدور إلا بين الماديات - لم يكن في ذلك بد ومخلص من أن يكون على سبيل التمثيل بأن يلاحظ التوجهات القلبية على اختلاف خصوصياتها ، ثم تمثل في الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها ، كالسجدة يراد بها التذلل ، والركوع يراد به التعظيم ، والطواف يراد به تفدية النفس ، والقيام يراد به التكبير ، والوضوء والغسل يراد بهما الطهارة للحضور ، ونحو ذلك . ولا شك أن التوجه إلى المعبود ، واستقباله من العبد في عبوديته روح عبادته ، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة ، وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها واستقرار تحققها . وقد كانت الوثنيون وعبدة الكواكب وسائر الأجسام من الإنسان وغيره يستقبلون معبوداتهم وآلهتهم ، ويتوجهون إليهم بالأبدان في أمكنة متقاربة . لكن دين الأنبياء ونخص بالذكر من بينها دين الإسلام الذي يصدقها جميعا وضع الكعبة قبلة ، وأمر باستقبالها في الصلاة ، التي لا يعذر فيها مسلم ، أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها ، ونهى عن استقبالها واستدبارها في حالات ، وندب إلى ذلك في أخرى ، فاحتفظ على قلب الإنسان بالتوجه إلى بيت الله ، وأن لا ينسى ربه في خلوته وجلوته ، وقيامه وقعوده ، ومنامه ويقظته ، ونسكه وعبادته حتى في أخس حالاته وأرداها ، فهذا بالنظر إلى الفرد . وأما بالنظر إلى الاجتماع فالأمر أعجب والأثر أجلى وأوقع ، فقد جمع الناس على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجه إلى نقطة واحدة ، يمثل بذلك وحدتهم الفكرية وارتباط جامعتهم ، والتئام قلوبهم ، وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في جميع شؤون الأفراد في حيويتها المادية والمعنوية ، تعطي من الاجتماع أرقاه ، ومن الوحدة أوفاها وأقواها ، خص الله تعالى بها عباده المسلمين ، وحفظ به وحدة دينهم ، وشوكة جمعهم ، حتى بعد أن تحزبوا أحزابا ، وافترقوا مذاهب وطرائق قددا ، لا يجتمع منهم اثنان على رأي ، نشكر الله تعالى على آلائه ( 1 ) . بحث تاريخي : من المتواتر المقطوع به أن الذي بنى الكعبة إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وكان القاطنون حولها يومئذ ابنه إسماعيل وجرهم ( 2 ) من قبائل اليمن ، وهي
--> ( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 337 . ( 2 ) جرهم : حي من اليمن نزلوا مكة وتزوج فيهم إسماعيل بن إبراهيم ( عليهما السلام ) ، وهم أصهاره ، ثم ألحدوا في الحرم فأبادهم الله تعالى . ( لسان العرب : 12 / 97 ) .