محمد الريشهري

2439

ميزان الحكمة

فقر ، وإن كان القياس يقتضيه ، وأصل الفقير هو المكسور الفقار ، انتهى ( 1 ) . وهذا أحسن ما قيل في هذا المقام ، ومنهم من حمل سواد الوجه على المدح ، أي إنه كالخال الذي على وجه المحبوب فإنه يزينه ولا يشينه ، وقيل : المراد بالوجه ذات الممكن ، ومن الفقر احتياجه في وجوده وسائر كمالاته إلى الغير ، وكون ذلك الاحتياج سواد وجهه عبارة عن لزومه لذاته بحيث لا ينفك كما لا ينفك السواد عن محله ، ولا يخفى بعدهما ، والأظهر حمله مع صحته على الفقر المذموم كما مر . وقال الغزالي في شرح هذا الخبر : إذ الفقر مع الاضطرار إلى ما لابد منه قارب أن يوقع في الكفر ، لأنه يحمل على حسد الأغنياء والحسد يأكل الحسنات ، وعلى التذلل لهم بما يدنس به عرضه وينثلم به دينه ، وعلى عدم الرضا بالقضاء وتسخط الرزق ، وذلك إن لم يكن كفرا فهو جار إليه ، ولذلك استعاذ المصطفى من الفقر . وقال بعضهم : لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذل في سؤال الناس ، ووالله ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت ببلية من فقر أو مرض ، فلعلي أكفر ولا أشعر ، فلذلك قال : " كاد الفقر أن يكون كفرا " لأنه يحمل المرء على كل صعب وذلول ، وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه ، والفقر نعمة من الله داع إلى الإنابة والالتجاء إليه والطلب منه ، وهو حلية الأنبياء وزينة الأولياء وزي الصلحاء ، ومن ثم ورد خبر : " إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين " ، فهو نعمة جليلة بيد أنه مؤلم شديد التحمل . قال الغزالي : هذا الحديث ثناء على المال ، ولا تقف على وجه الجمع بين المدح والذم إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده وفوائده وغوائله ، حتى ينكشف لك أنه خير من وجه شر من وجه ، وليس بخير محض ولا بشر محض ، بل هو سبب للأمرين معا : يمدح مرة ويذم مرة ، والبصير المميز يدرك أن الممدوح منه غير المذموم . وقال بعض أصحابنا في الدعاء : نعوذ بك من الفقر والقلة ، قيل : الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله ونسيان ذكره ، ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه ويثلم به دينه ، والقلة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد . وفي الخبر أنه ( صلى الله عليه وآله ) تعوذ من الفقر ، وقال : " الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء " . وقد جمع بين القولين بأن الفقر الذي تعوذ منه ( صلى الله عليه وآله ) الفقر إلى الناس والذي دون الكفاف ، والذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى ، وإنما كان هذا فخرا له على سائر الأنبياء مع مشاركتهم له فيه ، لأن توحيده واتصاله بالحضرة الإلهية وانقطاعه إليه كان في الدرجة التي لم يكن لأحد مثلها في العلو ، ففقره إليه كان أتم وأكمل من فقر سائر الأنبياء . وقال الكرماني في شرح البخاري في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " أعوذ بك من الفقر " : استدل به على تفضيل الغنى ، وبقوله تعالى : * ( إن ترك خيرا ) *

--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 641 .