محمد الريشهري
2338
ميزان الحكمة
فأما إذا لم يفهمه عينه جاز ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا كره من إنسان شيئا قال : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ؟ ! ولا يعين . ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم والعلم المرائين ، فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ، ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين : الرياء والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرياسة أو بحب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية ، أو يقول : نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق ، أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا ، بل مجرد الحمد على شئ إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح ، وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ودعوى الخلاص من الرذائل ، وهو عنوان الوقوع فيها ، بل في أفحشها . ومن ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول : ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما نبتلى به كلنا ، وهو قلة الصبر ، فيذكر نفسه بالذم ومقصوده أن يذم غيره ، وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم ، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش ، وهو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل ، من غير أن يتقنوا الطريق ، فيتعبهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك عليهم . ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين ، فيقول : سبحان الله ما أعجب هذا ! حتى يصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله ، فيذكر الله سبحانه ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه وباطله ، وهو يمن على الله بذكره جهلا منه وغرورا . ومن ذلك أن يقول : جرى من فلان كذا وابتلي بكذا ، بل يقول : جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب الله علينا وعليه ، يظهر الدعاء والتألم والصداقة والصحبة ، والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره ، وهو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة . ومن أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب ، فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها ، فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق ، فيقول : عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ، ما كنت أعرف من فلان ذلك ، يريد بذلك تصديق المغتاب واستدعاء الزيادة منه باللطف ، والتصديق للغيبة غيبة ، بل الإصغاء إليها بل السكوت عند سماعها . . . ( 1 ) .
--> ( 1 ) البحار : 75 / 223 - 225 .