محمد الريشهري
2334
ميزان الحكمة
الخوف على إفشاء البدعة وسراية الفسق ، وذلك موضع الغرور والخديعة من الشيطان ، إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق . . . ولتقتصر على العيب المنوط به ذلك الأمر ، فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا ، بل تذكر في كل أمر ما يتعلق بذلك الأمر ، ولا تتجاوزه قاصدا نصح المستشير لا الوقيعة ، ولو علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله : لا يصلح لك ، فهو الواجب ، فإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به ، قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " أترعوون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس ؟ اذكروه بما فيه يحذره الناس " ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة بنت قيس حين شاورته في خطابها : " أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه . الخامس : الجرح والتعديل للشاهد والراوي ، ومن ثم وضع العلماء كتب الرجال وقسموهم إلى الثقات والمجروحين ، وذكروا أسباب الجرح غالبا ، ويشترط إخلاص النصيحة في ذلك كما مر ، بأن يقصد في ذلك حفظ أموال المسلمين وضبط السنة وحمايتها عن الكذب ، ولا يكون حامله العداوة والتعصب وليس له إلا ذكر ما يحل بالشهادة والرواية منه ، ولا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعنة وشبهة ، إلا أن يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي . السادس : أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه ، كالفاسق المتظاهر بفسقه ، بحيث لا يستنكف من أن يذكر بذلك الفعل الذي يرتكبه ، فيذكر بما هو فيه لا بغيره ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له " ، وظاهر الخبر جواز غيبته وإن استنكف عن ذكر ذلك الذنب ، وفي جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من قوله ( صلى الله عليه وآله ) : لا غيبة لفاسق ، ورد بمنع أصل الحديث ، أو بحمله على فاسق خاص ، أو بحمله على النهي وإن كان بصورة الخبر ، وهذا هو الأجود إلا أن يتعلق بذلك غرض ديني ومقصد صحيح يعود على المغتاب بأن يرجو ارتداعه عن معصيته بذلك ، فيلحق بباب النهي عن المنكر . السابع : أن يكون الإنسان معروفا باسم يعرب عن غيبته كالأعرج والأعمش فلا إثم على من يقول ذلك ، كأن يقول : روى أبو الزناد الأعرج وسليمان الأعمش وما يجري مجراه ، فقد نقل العلماء ذلك لضرورة التعريف ، ولأنه صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن صار مشهورا به ، والحق أن ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك يجوز التعويل فيه على حكايتهم ، وأما ما ذكره عن الأحياء فمشروط بعلم رضا المنسوب إليه لعموم النهي ، وحينئذ يخرج عن كونه غيبة ، وكيف كان فلو وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى ، ولذلك يقال للأعمى : البصير عدولا عن اسم النقص . الثامن : لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل وغيبته ، ولا يجوز التعرض لها في غير ذلك إلا أن يتجه فيه