محمد الريشهري
899
ميزان الحكمة
لا يتخذ منها رياشا ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما . فأخرجها من النفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيبها عن البصر ، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ، وأن يذكر عنده . ولقد كان في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله ، أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه ؟ فإن قال : أهانه فقد كذب والله العظيم بالإفك العظيم وإن قال : أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه . فتأسى متأس بنبيه ، واقتص أثره ، وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة ، فإن الله جعل محمدا ( صلى الله عليه وآله ) علما للساعة ، ومبشرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما . لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه ، فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه وقائدا نطأ عقبه ( 1 ) . ( انظر ) باب 1221 . [ 1225 ] الدنيا من وجهة نظر الإمام علي ( عليه السلام ) - الإمام علي ( عليه السلام ) : والله ما دنياكم عندي إلا كسفر على منهل حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا ، ولا لذاذتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقا ، وعلقم أتجرعه زعاقا ، وسم أفعى أسقاه دهاقا ، وقلادة من نار أوهقها خناقا . ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، وقال لي : اقذف بها قذف الآتن ، لا يرتضيها ليرقعها ، فقلت له : اغرب عني . فعند الصباح يحمد القوم السرى ، وتنجلي عنا علالات ( غلالات ) الكرى ( 2 ) . - عنه ( عليه السلام ) : والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم ( 3 ) . - عنه ( عليه السلام ) : دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ( 4 ) . - عنه ( عليه السلام ) : إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعلي ولنعيم يفنى ( 5 ) . - عنه ( عليه السلام ) : لدنياكم أهون عندي من ورقة [ في ] في جرادة تقضمها ، وأقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها ، وأمر على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها . . . ما لعلي ونعيم يفنى ، ولذة تنحتها المعاصي ؟ ! سألقى وشيعتي ربنا بعيون ساهرة وبطون خماس " ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين " ( 6 ) .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 160 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 9 / 229 . ( 2 ) أمالي الصدوق : 496 / 7 . ( 3 ) نهج البلاغة : الحكمة 236 . ( 4 ) نهج البلاغة : الخطبة 3 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 202 . ( 5 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 11 / 246 . ( 6 ) البحار : 40 / 348 / 29 .