الشيخ السبحاني
200
محاضرات في الإلهيات
الإلهي ، فلما كان العدل عندهم هو الأصل والأساس في سائر المباحث ، عمدوا إلى تطبيق مسألة أفعال العباد عليه ، فوقعوا في التفويض لاعتقادهم بأن القول بكون أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ينافي عدله تعالى وحددوا بذلك خالقيته تعالى وسلطانه . والذي أوقعهم في هذا الخطأ في الطريق ، أمران : أحدهما : خطأوهم في تفسير كيفية ارتباط الأفعال إلى الإنسان وإليه تعالى ، فزعموا أنهما عرضيان ، فأحدهما ينافي الآخر ويستحيل الجمع بينهما ، وبما أنهم كانوا بصدد تحكيم العدل الإلهي لجأوا إلى التفويض ونفي ارتباط الأفعال إلى الله تعالى ، قال القاضي عبد الجبار : " إن من قال إن الله سبحانه خالقها ( أفعال العباد ) ومحدثها ، فقد عظم خطأه ، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين " . ( 1 ) يلاحظ عليه : أن الإنسان لا استقلال له ، لا في وجوده ، ولا فيما يتعلق به من الأفعال وشؤونه الوجودية ، فهو محتاج إلى إفاضة الوجود والقدرة إليه من الله تعالى مدى حياته ، قال سبحانه : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) . ( 2 ) وثانيهما : عدم التفكيك بين الإرادة والقضاء التكوينيين والتشريعيين ، فالتكويني منهما يعم الحسنات والسيئات بلا تفاوت ، ولكن التشريعي منهما لا يتعلق إلا بالحسنات ، قال سبحانه : ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) . ( 3 )
--> 1 . المغني : 6 / 41 ، الإرادة . 2 . فاطر : 15 . 3 . الأعراف : 28 .