تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

404

محاضرات في أصول الفقه

ومن ناحية أخرى : أنهم ذكروا : أنه إذا دار الأمر بين دفع المفسدة وجلب المنفعة كان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة . فالنتيجة على ضوئهما : هي أنه لابد في المقام من ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب ، لكونه من صغريات تلك القاعدة . وغير خفي أن هذا الاستدلال من الغرائب جدا ، وذلك لأنه على فرض تسليم تلك الكبرى فالمقام ليس من صغرياتها جزما ، بداهة أنه على القول بالامتناع ووحدة المجمع وجودا وماهية : فهو إما مشتمل على المصلحة دون المفسدة ، أو بالعكس . فإن قلنا بتقديم الوجوب فلا حرمة ولا مفسدة تقتضيه ، وإن قلنا بتقديم الحرمة فلا وجوب ولا مصلحة تقتضيه ، فليس في مورد الاجتماع مصلحة ومفسدة ليدور الأمر بين دفع المفسدة وجلب المنفعة ، ولا موضوع عندئذ لتلك القاعدة ، وموضوع هذه القاعدة وموردها : هو ما إذا كان في فعل مفسدة ملزمة ، وفي فعل آخر مصلحة كذلك ولا يتمكن المكلف من دفع الأولى وجلب الثانية معا ، فلا محالة تقع المزاحمة بينهما ، فيقال : إن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة . فهذه القاعدة لو تمت فإنما تتم في باب التزاحم ، بناء على وجهة نظر العدلية فحسب لا مطلقا . وأما في باب التعارض فلا تتم أصلا . وقد تقدم أن المسألة - أي : مسألة الاجتماع على القول بالامتناع - داخلة في كبرى باب التعارض ، على أنه لا أصل لهذه القاعدة في نفسها ، لعدم الدليل عليها أصلا ، لا من العقل ولا من الشرع ، بل يختلف الحال فيها باختلاف الموارد ، فقد يقدم جانب المفسدة على جانب المنفعة ، وقد يقدم جانب المنفعة على جانب المفسدة . . . وهكذا . أضف إلى ذلك أن هذه القاعدة على فرض تماميتها وكون الأولوية فيها أولوية قطعية لا ظنية فهي لا صلة لها بالأحكام الشرعية أصلا ، وذلك لوجهين : الأول : أن المصلحة ليست من سنخ المنفعة ، ولا المفسدة من سنخ المضرة غالبا ، والظاهر أن هذه القاعدة إنما تكون في دوران الأمر بين المنفعة والمضرة ، لا بين المصحلة والمفسدة كما لا يخفى .