تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

93

محاضرات في أصول الفقه

المعنى الأول كما لا يخفى . ومنها : قوله تعالى : * ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ) * ( 1 ) ، حيث قد ظهر مما تقدم ( 2 ) : أن الآية الكريمة لا تدل على الجبر ، بل تدل على واقع الأمر بين الأمرين ، بتقريب : أن المشيئة الإلهية لو لم تتعلق بإفاضة الحياة للإنسان والقدرة له فلا يملك الإنسان لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا يقدر على شئ ، بداهة أنه لا حياة له - عندئذ - ولا قدرة كي يكون مالكا وقادرا ، فملكه النفع أو الضر لنفسه يتوقف على تعلق مشيئته تعالى بحياته وقدرته آنا فآنا ، ويدور مداره حدوثا وبقاء ، وبدونه فلا ملك له أصلا ولا سلطان . ومنها : قوله تعالى : * ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) * ( 3 ) ، حيث قد أسندت الآية الكريمة الضلالة والهداية إلى الله سبحانه وتعالى ، مع أنهما من أفعال العباد . وسره ما ذكرناه : من أن أفعال العباد وإن لم تقع تحت مشيئة الباري - عز وجل - مباشرة إلا أن مبادئ تلك الأفعال بيد مشيئته تعالى وتحت إرادته ( 4 ) ، وقد تقدم : أن هذه الجهة كافية لصحة إسناد هذه الأفعال إليه تعالى حقيقة من دون عناية ومجاز ( 5 ) . فالنتيجة : أن هذه الآيات وأمثالها تطابق نظرية الأمر بين الأمرين ولا تخالفها . وتوهم : أن أمثال تلك الآيات تدل على نظرية الجبر خاطئ جدا ، فإن هذا التوهم قد نشأ من عدم فهم معنى نظرية الأمر بين الأمرين فهما صحيحا كاملا ومطابقا للواقع الموضوعي . وأما بناء على ما فسرنا به هذه النظرية فلا يبقى مجال لمثل هذا التخيل والتوهم أبدا . ثم إنه لا بأس بالإشارة في نهاية المطاف إلى نقطتين : الأولى : أن الفخر الرازي ( 6 ) قد أورد شبهة على ضوء الهيئة القديمة ،

--> ( 1 ) يونس : 49 . ( 2 ) قد تقدم آنفا فلاحظ . ( 3 ) النحل : 93 ، وفاطر : 8 . ( 4 و 5 ) راجع ص 86 - 88 . ( 6 ) انظر التفسير الكبير : ج 4 ص 184 في الآية : 164 من سورة البقرة .