تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
62
محاضرات في أصول الفقه
الثالثة : أن النفس في وحدتها لا تؤثر في شئ من الأفعال الخارجية ، وإنما تؤثر فيها بعد حصول الإرادة والشوق الأكيد حيث يحصل لها بعده هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلاتية ، فتكون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة . ولنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط : أما النقطة الأولى : فالأمر فيها كما ذكره ( قدس سره ) ، لأن هذه القوى كلها جنود للنفس وتعمل بقيادتها ، فالأفعال الصادرة عنها في الحقيقة تصدر عن النفس ، وهذا واضح فلا حاجة إلى مزيد بيان . وأما النقطة الثانية فيرد عليها : أولا : أن الأمر ليس كما ذكره ( قدس سره ) ، إذ لا ريب في أن للنفس أفعالا تصدر عنها باختيارها وسلطنتها مباشرة ، أي : من دون توسيط إحدى قواها الباطنة والظاهرة . ومنها : البناء القلبي ، فإن لها أن تبنى على شئ ، وأن لا تبنى عليه ، وليس البناء فعلا يصدر عن إحدى قوة من قواها كما هو ظاهر . ومنها : قصد الإقامة عشرة أيام ، فإن لها أن تقصد الإقامة في موضع عشرة أيام ، ولها أن لا تقصد ، فهو تحت يدها وسلطنتها مع قطع النظر عن وجود كافة قواها . ومنها : عقد القلب ، وقد دل عليه قوله تعالى : * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) * ( 1 ) فأثبت سبحانه أن عقد القلب على شئ غير اليقين به ، فإن الكفار كانوا متيقنين بالرسالة والنبوة بمقتضى الآية الكريمة ولم يكونوا عاقدين عليها . وكيف كان ، فلا شبهة في أن للنفس أفعالا في أفقها تصدر عنها باختيارها ، وإعمال سلطنتها : كالبناء والالتزام والقصد وعقد القلب وما شاكل ذلك . وثانيا : على فرض تسليم عدم صدور الفعل عن النفس من دون توسط إحدى قواها الباطنة والظاهرة إلا أنك عرفت ( 2 ) أن الأفعال التي تصدر عن قواها في الحقيقة تصدر عنها ، وهي الفاعل لها حقيقة وواقعا . والسبب في ذلك : أن هذه القوى بأجمعها تصحح فاعلية النفس بالفعل ، فإن
--> ( 1 ) النمل : 14 . ( 2 ) تقدم آنفا فلاحظ .