تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

56

محاضرات في أصول الفقه

ومن ناحية أخرى : حيث إنهم لم يجدوا في الصفات النفسانية صفة تصلح لأن تكون علة للفعل غير الإرادة فلذلك التزموا بترتب الفعل عليها ترتب المعلول على العلة التامة . فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أن كل ممكن ما لم يجب وجوده من قبل وجود علته يستحيل تحققه ووجوده في الخارج . ومن هنا يقولون : إن كل ممكن محفوف بوجوبين ( 1 ) : " وجوب سابق " وهو الوجوب في مرتبة وجود علته ، و " وجوب لاحق " وهو الوجوب بشرط وجوده خارجا . ولنبحث هنا عن أمرين : الأول : عن الفرق الأساسي بين المعاليل الطبيعية والأفعال الاختيارية . الثاني : عدم جريان القاعدة المذكورة في الأفعال الاختيارية . أما الأمر الأول : فقد سبق بشكل إجمالي أن الأفعال الإرادية تمتاز عن المعاليل الطبيعية بنقطة واحدة ، وهي : أنها تحتاج في وجودها إلى فاعل ( 2 ) ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : * ( أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون ) * ( 3 ) ، فأثبت " عز من قائل " بذلك احتياج الفعل إلى فاعل وخالق ، وبدونه محال ، والفاعل لهذه الأفعال هو نفس الإنسان ، فإنها تصدر عنها بالاختيار وإعمال القدرة والسلطنة ، وليس في إطارها حتم ووجوب ، فلها أن تشاء وتعمل ، ولها أن لا تشاء ولا تعمل ، فهذه المشيئة والسلطنة لا تتوقف على شئ آخر كالإرادة ونحوها ، بل هي كامنة في صميم ذات النفس ، حيث إن الله تعالى خلق النفس كذلك . وهذا بخلاف المعاليل الطبيعية فإنها تحتاج في وجودها إلى علل طبيعية تعاصرها وتؤثر فيها على ضوء مبدأ السنخية في إطار الحتم والوجوب ، ولا يعقل فيها الاختيار . وإن شئت فقل : إن الفعل الاختياري حيث كان يخضع لاختيار الإنسان

--> ( 1 ) انظر الأسفار : فصل ( 16 ) من المنهج الثاني ج 1 ص 224 . ( 2 ) تقدم في ص 47 فراجع . ( 3 ) الطور : 35 .