تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
46
محاضرات في أصول الفقه
ولا ينافي ذلك ما سنحققه - إن شاء الله تعالى - في المبحث الآتي ، وهو بحث الأمر بين الأمرين ( 1 ) : أن العبد لا يستقل في فعله تمام الاستقلال ، حيث إن كافة مبادئ الأفعال : كالحياة والقدرة والعلم والاختيار مفاضة من الله تعالى آنا فآنا ، وخارجة عن اختياره بحيث لو انقطعت الإفاضة آنا ما لانتفت تلك المبادئ بأسرها . وعلى هذا الضوء : فإن أريد من استقلال العبد استقلاله من كافة النواحي فهو باطل ، لا ما هو لازمه ، فإنه صحيح على تقدير ثبوته . وإن أريد منه استقلاله في فرض تحقق تلك المبادئ وإفاضتها فهو صحيح ، وكذا لازمه . وعلى كلا التقديرين فالتالي صادق . وأما النقطة الثانية فهي خاطئة جدا ، وذلك لأنها ترتكز على ركيزة لا واقع لها ، وهي استحالة ترجيح وجود الفعل على عدمه بدون وجود مرجح . والسبب في ذلك : أن المحال إنما هو وجود الفعل في الخارج بلا سبب وفاعل . وأما صدور الفعل الاختياري عن الفاعل من دون وجود مرجح له ليس بمحال ، لما عرفت من أن وجوده خارجا يدور مدار اختياره ، وإعمال قدرته من دون توقفه على شئ آخر كوجود المرجح أو نحوه . نعم ، بدونه يكون لغوا وعبثا . وقد تحصل من ذلك : أنه لا دخل لوجود المرجح في إمكان الفعل أصلا ، ولا صلة لأحدهما بالآخر . على أن وجود المرجح لاختيار طبيعي الفعل كاف وإن كانت أفراده متساوية ، من دون أن يكون لبعضها مرجح بالإضافة إلى بعضها الآخر ، ولا يلزم وجوده في كل فعل شخصي اختاره المكلف . ودعوى : أن الاختيار هو المرجح في فرض التساوي ساقطة بأن الاختيار لا يمكن أن يكون مرجحا ، لوضوح أن المرجح ما يدعو الإنسان إلى اختيار أحد فردين متساويين أو أفراد متساوية ، فلا يعقل أن يكون هو المرجح .
--> ( 1 ) سيأتي التفصيل في ص 88 - 92 فانتظر .