تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
216
محاضرات في أصول الفقه
أما آية الاستباق فلأن كلمة " واستبقوا " فيها من الاستباق بمعنى المسابقة لغة ، وعلى هذا فظاهر الآية المباركة هو وجوب المسابقة على العباد نحو الخيرات ، يعني : أن الواجب على كل واحد منهم أن يسابق الآخر فيها . وإن شئت قلت : إن مدلول الآية الكريمة هو ما إذا كان العمل خيرا للجميع وأمكن قيام كل واحد منهم به ، ففي مثل ذلك أمر سبحانه وتعالى عباده بالمسابقة نحوه ، ومن الواضح أنه لا صلة لهذا المعنى بما نحن فيه أصلا ، وذلك لأن الكلام فيه إنما هو في وجوب المبادرة على المكلف نحو امتثال الأمر المتوجه إليه خاصة على نحو الاستقلال مع قطع النظر عن الأمر المتوجه إلى غيره . وهذا بخلاف ما في الآية ، فإن وجوب الاستباق فيها إنما هو بالإضافة إلى الآخر لا بالإضافة إلى الفعل ، فإذا لا تدل الآية على وجوب الاستباق والمبادرة إلى الفعل أصلا ، ولا ملازمة بين الأمرين كما لا يخفى . وأما آية المسارعة فالظاهر من المغفرة فيها هو نفس الغفران الإلهي ، فالآية - عندئذ - تدل على وجوب المسارعة نحوه بالتوبة والندامة التي هي واجبة بحكم العقل ، وليس المراد منها الأفعال الخارجية من الواجبات والمستحبات ، فإذا الآية ترشد إلى ما استقل به العقل ، وهو وجوب التوبة ، وأجنبية عما نحن بصدده . الثاني : على تقدير تنزل عن ذلك وتسليم أن الآيتين ليستا أجنبيتين عن محل الكلام إلا أن دلالتهما على ما نحن بصدده تقوم على أساس أن يكون الأمر فيهما مولويا . وأما إذا كان إرشاديا - كما هو الظاهر منه بحسب المتفاهم العرفي - فلا دلالة لهما عليه أصلا ، وذلك لأن مفادهما على هذا الضوء هو الإرشاد إلى ما استقل به العقل من حسن المسارعة والاستباق نحو الإتيان بالمأمور به وتفريغ الذمة منه ، وتابع له في الإلزام وعدمه فلا موضوعية له ، ومن الواضح أن حكم العقل بذلك يختلف في اللزوم وعدمه باختلاف موارده . الثالث : على تقدير التنزل عن ذلك أيضا وتسليم أن الأمر فيهما مولوي إلا أنه لا بد من حمله على الاستحباب ، ولو حمل على ظاهره - وهو الوجوب - لزم