تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

122

محاضرات في أصول الفقه

وأجاب عن ذلك أولا : بأن استعمالها في الندب لا يزيد على استعمالها في الوجوب لتكون كثرة الاستعمال فيه مانعة عن ظهورها في الوجوب . وثانيا : أن كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي مع القرينة لا تمنع عن حمله على المعنى الحقيقي عند إطلاقه مجردا عنها ، وما نحن فيه كذلك ، فإن كثرة استعمال الصيغة في الندب مع القرينة لا تمنع عن حملها على الوجوب إذا كانت خالية عنها . ثم استشهد على ذلك بكثرة استعمال العام في الخاص ، حتى قيل : " ما من عام إلا وقد خص " ، ومع هذه الكثرة لا ينثلم ظهور العام في العموم إذا ورد في الكتاب والسنة ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخاص ( 1 ) . ولنأخذ بالمناقشة على ما أفاده ( قدس سره ) : أما ما ذكره : من أن المتبادر من الصيغة عرفا الوجوب فيمكن نقده : بأنه إنما يكون علامة للحقيقة إذا كان مستندا إلى حاق اللفظ ونفسه ، ضرورة أن مجرد انفهام المعنى من اللفظ لا يكون علامة لكونه حقيقة فيه . وفيما نحن فيه المتبادر لدى العرف من الصيغة وإن كان هو الوجوب إلا أنا لا نعلم استناده إلى حاق اللفظ ، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة الإطلاق ومقدمات الحكمة كما اختاره بعض الأعاظم ( 2 ) . ويحتمل أن يكون ذلك من جهة حكم العقل كما اخترناه ( 3 ) . ومن الطبيعي أن التبادر مع هذا الاحتمال لا يكون دليلا على الحقيقة . ومن هنا يظهر الكلام فيما ذكره من التأييد بقيام السيرة العقلائية على الذم عند المخالفة ، فإنه وإن كان مسلما إلا أنه لا يدل على كون الوجوب مدلولا وضعيا للصيغة ومتبادرا منها عرفا ، بل لعله لحكم العقل بذلك ، أو للإطلاق ومقدمات الحكمة .

--> ( 1 ) انظر كفاية الأصول : ص 92 . ( 2 ) انظر نهاية الأفكار : ج 1 ص 162 . ( 3 ) تقدم في ص 11 ، وسيأتي تفصيله في ص 128 - 129 .