المفضل بن عمر الجعفي
17
التوحيد
وأجمل عاقبة . فهكذا يجوز أن في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشئ أنه لا منفعة فيه ، من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه ، فإن كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون ( 1 ) وكثيرا ما يقصر عنه على المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته . فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ، ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة ، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة ، فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج ( 2 ) اللقوة ( 3 ) وما أشبههما ، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم ، لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم ، فتفضل على خلقه بما جهلوه ونظر لهم بما لم يعرفوه ، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في معصيته ، فسبحانه ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه ، تعالى عما يقول المبطلون ( 4 ) علوا كبيرا . ( آلات الجماع وهيئتها ) أنظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك عليه ، فجعل للذكر آلة ناشره تمتد حتى تصل النطفة ( 5 ) إلى
--> ( 1 ) أي أن ذلك مما لا يقصر عن إدراكه ذو العلم والفهم . ( 2 ) الفالج : داء يحدث في أحد شقي البدن ، فيبطل إحساسه وحركته . ( 3 ) اللقوة : - بفتح فسكون - داء يصيب الوجه ، يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق ، جمعه لقاء وإلقاء . ( 4 ) يقال : أبطل أي جاء بالباطل . ( 5 ) النطفة : ماء الرجل أو المرأة ، والجمع نطاف ونطف .