السيد محمد جواد العاملي
12
مفتاح الكرامة
--> ( 1 ) من لا يحضره الفقيه : الزكاة ج 2 ص 48 . ( 2 ) الكافي : ج 3 ص 498 ح 8 . ( 3 ) الكافي : ج 3 ص 499 ح 9 . ( 4 ) الكافي : ج 3 ص 501 ح 14 . ( 5 ) لا يخفى عليك أنّ الّذي يظهر من مجموع الآيات الشريفة والأخبار الواردة في المقام مع مقايسة بعضها ببعض أنّ الزكاة الواجبة زكاتان ، أحدهما : زكاة لها نصاب ولنصابها مقدار معيّن ، وهي الّتي عقد لها في الأخبار أبواب وعنونها الفقهاء في كتبهم الاستدلالية وغيرها بكتاب الزكاة . ثانيهما : زكاة ليس لها نصب أو مقدار معيّن بل نصابها تحصيل المال الّتي تعلّقت بها وهي ما أشار إليها في الآيات الشريفة . منها : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصاده ) . ومنها : قوله تعالى ( والّذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم ) . ومنها قوله تعالى ( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) . وأمّا الأخبار فهي كثيرة ، منها قول الصادق ( عليه السلام ) في خبر مهران : ولكن الله فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة ، فقال ( والّذين في أموالهم حقٌّ معلوم . . . ) فالحقّ المعلوم غير الزكاة وهو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله فيؤدّي الّذي فرض على نفسه إن شاء في كلّ يوم وإن شاء في كلّ جمعة وإن شاء في كلّ شهر ، وقد قال الله ( أقرضوا الله قرضاً حَسَناً ) وهذا غير الزكاة ، وقد قال الله تعالى ( وينفقون ممّا رزقناهم سرّاً وعلانية ) والماعون أيضاً وهو الفرض يفرضه والمتاع يعيره والمعروف يصنعه ، وممّا فرض الله عزّ وجلّ أيضاً في المال من غير الزكاة قوله تعالى ( الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) ومن أدّى ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه وأدّى شكرها أنعم الله عليه في ماله . ( الوسائل : ج 6 ص 27 - 28 ) . ومنها قوله في خبر أبي بصير ، قال : كنّا عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) ومعنا بعض أصحاب الأموال ، فذكروا الزكاة ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إنّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها وإنّما هو شيء ظاهر إنّما حقن بها دمه وسمّي بها مسلماً ، ولو لم يؤدّها لم تقبل له صلاة . وإنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة ، فقلت : أصلحك الله وما علينا في أموالنا غير الزكاة ؟ قال : سبحان الله أما تسمع الله عزّ وجلّ يقول في كتابه ( والّذين في أموالهم حقٌّ معلوم ) . . . إلى آخر ما في الخبر السابق ( الوسائل : ج 6 ص 28 ) . ومنها قوله ( عليه السلام ) في خبر أبي بصير الآخر : أترون أنّما في المال الزكاة وحدها ؟ ! ما فرض الله في المال من غير الزكاة أكثر ، تعطي منه القرابة والمعترض لك ممّن يسألك . ( المصدر السابق : ص 29 ) . ومنها قوله ( عليه السلام ) في خبر سماعة : فالحقّ المعلوم غير الزكاة وهو شيء يفرضه الرجل على نفسه أنّه في ماله ونفسه يجب أن يفرضه على قدر طاقته ووسعه . ( المصدر السابق : ص 31 ) . ومنها ما رواه المرتضى ( رحمه الله ) في الانتصار كما نقله عنه الشارح ( رحمه الله ) . ومنها غيره من الأخبار الدالّة على ذلك ، وكلّها مصرّحة بوجوب الزكاة المذكورة ، وأصرح من الكلّ ما ورد من أبي ذرّ ( رحمه الله ) في مجلس عثمان في تفسير قوله تعالى ( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) حيث فسّره كعب الأخبار بالزكاة المعيّنة ثمّ قال : فلو بنى أحدٌ قصراً من لبنة ذهب ولبنة فضّة ليس عليه شيء ، فضربه أبو ذرّ بعصاه حتّى شجّ رأسه وقال : يا ابن اليهودية المشركة مالك وللنظر في أحكام المسلمين ؟ قول الله أصدق من قولك حيث يقول ( الّذين يكنزون الذهب والفضّة . . . ) ( الصافي : ج 1 ص 154 - 155 ) . فإنّ هذه الواقعة وهذه المقابلة الشديدة التي صدرت من أبي ذرّ في قول كعب تدلّ دلالةً واضحةً على أنّ المراد من الآية ليس هو الزكاة المعيّنة كما فسّرها كعب طلباً لمرضاة عثمان ، ومثل هذه التفاسير لآيات الكتاب الّتي هي سيرة كلّ حواشي الامراء والأقوياء ، وإلاّ فلم يكن يفعل أبو ذرّ مثل هذا العمل . هذا مضافاً إلى ما يظهر من الأخبار الواردة في الإنفاق من أنّ الإسلام يريد أن يكون المسلم منفقاً ولا يقتر وأن لا يدع المال كنزاً - خصوصاً الذهب والفضّة والدينار والدرهم - في خزانته أو في البنوك كما هو المتعارف اليوم . وقد ورد عن الصادق ( عليه السلام ) : أنّ المال أربعة آلاف واثنا عشر ألف درهم كنز ، ولم يجمع عشرون ألفاً من حلال ، وصاحب الثلاثين ألفاً هلك ، وليس من شيعتنا مَن يملك مائة ألف درهم . ( تحف العقول : ص 377 ) . بل ينفقه في سبيل الله أي في سبيل الخير والإعانة لأهله وللإخوان في حوائجهم المشروعة ، فإنّه ورد في الخبر عن الصادق ( عليه السلام ) في تفسير قوله تعالى : ( كذلك يريهم اللهُ أعمالهم حسرات عليهم ) أنّه قال : يعني الرجل يدع مالا لا ينفقه في طاعة الله بخلا ثمّ يموت فإمّا يصرف بعده في طاعة الله فيراه في ميزان غيره وإمّا في معصية الله فيراه وبالا عليه . وقد ورد بمضمونه كثير من الأخبار . فممّا تقدّم يظهر أنّ ما ورد من أنّه لا يجب على المكلّف مال سوى الزكاة يراد بها الزكاة المعيّنة بالنصاب والمقدار . وأمّا الزكاة الّتي لا تعيين فيها بالنصاب والمقدار بل تعيين مقدارها بيد المعطي من القليل القليل ومن الكثير الكثير وبحسب حاجة السائل والمحروم فهو الّذي يراد بما ورد من الأخبار الكثيرة في الإنفاق وأشار إليه في قوله تعالى ( والّذين في أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم ) وفي قوله تعالى ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . ثمّ إنّ حقّ الزكاة الّتي يجب عطاؤها من غير المعيّن هو المال الّذي يحصده الحصاد أو يستجدّون به يوم الجداد ، فوجوب عطائه موكول إمّا إلى سؤال السائل أو حضوره عندهما كما يدلّ عليه الآية والخبر الّذي رواه الشارح عن تفسير عليّ بن إبراهيم عن سعد بن سعد عن الرضا ، وخبر أبي بصير المتقدّم ، وإمّا إلى وجود المحروم وهو المحارف الّذي قد حرم كدّ يده وقصّر عنه في الشراء والبيع أو الّذي ليس بعقله بأس ولكن لم يبسط له في الرزق كما في خبر الجمّال والكليني المرويّين في الوسائل ( ج 6 ص 30 ) فراجع .