ابن ميثم البحراني

81

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

فكذلك طالب الحكمة يجتهد في طلبها بحسب البرهان ويبالغ في التفتيش عن كيفية المسالك في طلبها ويلتمس معرفتها من أفواه الأستاذين من العلماء وأهل المعارف كما يلتمس صاحب الضالة ضالته من أفواه المنشدين والعارفين بها وبمظانها فلا جرم كانت ضالة بالنسبة إليه . الثاني - انه لما كان من شأن الضالة ان لا تنفك عن أحد وجهين ، اما ان يجدها طالبها ويفوز بمقاصده وخاصة إن كان متقربا بطلبها إلى من هو أعلى منه متوقعا على وجدانها الحباء ( 1 ) والمنحة ، واما ان لا يجدها فيبقى في الأسف والخوف والحرمان فكذلك الحكمة لما كان من شأنها انه اما انه يجدها طالبها أوليس ، فان وجدها فقد فاز بالمقاصد الكلية وحصل على الأغراض الباقية ، وان لم يجدها وهو متقرب بها إلى نيل رضا الله تعالى ومستعد بها لقبول نعمه الباقية في جواره المقدس فقد حصل على الخيبة وضياع السعي وحرمان ما الحكمة إلى نيله وسيلة فكانت بالحقيقة ضالة وأي ضالة . واما تحصيص المؤمن بها فلان غير المؤمن اما غير المصدق واما العاصي ، اما غير المصدق فتكذيبه ينافي طلبه لان الجزء الأشرف من الحكمة هو معرفة الصانع والمكذب بوجوده كيف يطلب معرفته ؟ ! وكذلك عصيان العاصي حال عصيانه ( 2 ) مناف لطلبه وهو ظاهر ، فهذا هو المفهوم من هذه الكلمة ، والله تعالى يجعل خاتمة سعينا في طلبها وجدانا لها ، ويرشدنا على منشديها ، ويدلنا على معرفتها والعارفين ( 3 ) بها عن صدق ، والمطلعين على اسرارها بيقين وهو ( 4 ) الموفق . الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام : المرء عدو ما جهله . ( 5 ) أقول : العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع ( 6 ) الأسباب المؤذية للمبغوض ومحبة فعل

--> ( 1 ) - الحباء بالكسر بمعنى العطاء بالفتح . ( 2 ) - " عصيانه " ليس في نسخة ا . ( 3 ) - " معرفتها العارفين " . ( 4 ) - ا : " والله " . ( 5 ) - وفى معناه ما نقله الشريف الرضى ( ره ) في الباب الثالث من نهج البلاغة بهذه العبارة : " الناس أعداء ما جهلوا " وقال شارح هذا الكتاب الحاضر في شرح العبارة في شرح نهج البلاغة ما نصه ( ص 603 من الطبعة الأولى ) : " الجهل بالشئ مستلزم لعدم تصور منفعة العلم به فيحصل الجاهل من ذلك على اعتقاد انه لا فائدة في تعلمه فيستلزم ذلك مجانبته له ثم يتأكد تلك المجانبة والبعد بكون العلم أشرف فضيلة يفخر بها أهله على الجهال ويكون لهم بها الحكم عليهم وانتقاصهم وحطهم عن درجة الاعتبار مع اعتقاد الجهال لكما لهم أيضا لذلك فيشتد لذلك مجانبتهم للعلم وأهله وعداوتهم لهذه الفضيلة " . ( 6 ) ب ج : " بجميع " .