ابن ميثم البحراني
61
شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )
تلك الفضيلة لا يتم مع التقصير عنها والوقوف دونها والدخول في المهانة التي هي طرف التفريط من تلك الفضيلة ؟ قلت : انه لا حاجة به عليه السلام إلى ذكر هذا القيد إذ يكون تكريرا وقد تنزهت ألفاظه الا عن الوجازة المستلزمة للجزالة ، إذ المعنى الذي أردت واليه قصدت مذكور في الكلام مدلول عليه بطريق الالتزام ، وذلك أن استنزال الرحمة لمن يتجاوز هذه الفضيلة يستلزم النهى عن تجاوزها ، والنهى عن التجاوز مستلزم للامر بالوقوف عندها ، وهو مستلزم للامر بطلبها وعدم الوقوف دونها فلا جرم ذكر عليه السلام هذا القيد ولم يذكر ذلك ، والأول أظهر ، والله ولى التوفيق . الكلمة السادسة قوله عليه السلام : قيمة كل امرء ما يحسنه ( 1 ) . أقول : القيمة يقال بحسب الحقيقة على ما يقوم مقام الشئ ويعوض عنه وهو الثمن ويقال بحسب المجاز على الأمور التي تكتسبها النفس الانسانية من الهيئات كالعلوم والأخلاق الفاضلة واضدادها ، ووجه المجاز ان التفاوت كما أنه حاصل في قيمة الشئ بحسب تفاوت جوهر المثمن في الجودة والرداءة والشرف والخسة ، وبحسب تفاوت انظار أهل - التقويم ورغبات الطالبين كذلك هو حاصل فيما يحسنه الانسان مما هو مكتسب له من تلك الهيئات كالاعتقادات المختلفة ، فمنها علوم موصولة إلى السعادة الأبدية ، ومنها اعتقادات
--> ( 1 ) - شرحها الشارح ( ره ) في شرحه على نهج البلاغة هكذا ( ص 590 من الطبعة الأولى ) : " غرض هذه الكلمة الترغيب في أعلى ما يكتسب من الكمالات النفسانية والصناعات ونحوها ، وقيمة المرء مقداره في اعتبار المعتبرين ومحله في نفوسهم من استحقاق تعظيم وتبجيل ، أو احتقار وانتقاص ، وظاهر ان ذلك تابع لما يحسنه المرء ويكتسبه من الكمالات المذكورة ، فأعلاهم قيمة وارفعهم منزلة في نفوس الناس أعظمهم كمالا ، وأنقصهم درجة أخسهم فيما هو عليه من حرفة أو صناعة ، وذلك بحسب اعتبار عقول الناس للكمالات ولوازمها " .