ابن ميثم البحراني

39

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

حكاية عن موسى عليه السلام : فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى اقبل ولا تخف انك من الآمنين ( 1 ) ، ثم إنه ليزداد تعويده بظهور تلك الغواشي إلى أن تصير تلك الغواشي مألوفة له فتطمئن بها ( 2 ) نفسه ويسكن إليها قلبه وتسمى حينئذ في عرفهم سكينة حتى تصير بعد أن كانت آثار البهجة باشراق تلك الأنوار في سره ظاهرة عليه وعلامات الأسف والتلهف على فراقه كثيرة لديه بحيث يقل ذلك الظهور فيراه جليسه حال الاتصال بجناب الحق حاضرا عنده في أوقات السفر مقيما معه وهو في الحالين غائب مسافر ولا يزال يتدرج ( 3 ) في ذلك بحسب صفاء جوهره واستعداده بالملكة التامة إلى أن يصير له ذلك متى شاء ثم يترقى في ذلك إلى أن يتوقف ذلك الامر على مشيته بل يكون له بمطالعة كل شئ عبرة من غير قصد الاعتبار ( 4 ) بتلك المطالعة ، فإذا عبر مقام السلوك إلى النيل صار سره كمرآة ( 5 ) مجلوة حوذى ( 6 ) بها وجه الحق متسعا باشراقه

--> ( 1 ) - ذيل آية 31 سورة القصص . ( 2 ) - ا : " لها " . ( 3 ) - ج د : " يندرج " . ( 4 ) - ج د : " الاعتقاد " . ( 5 ) - ج " مراة " . ( 6 ) - النسخ : " حوفى " أوما يشبهه وصححناها بقرينة قول الشارح ( ره ) في شرح نهج البلاغة ضمن شرح قوله أمير المؤمنين ( ع ) : " والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه " : " فان علمه بعواقب الأمور وأدبارها وتطلعه إلى نتائج الحركات بعين بصيرته التي هي كمرآة صافية حوذي بها صور الأشياء في المرائي العالية فارتسمت فيها كما هي " ( ص 104 الطبعة الأولى ) ونظيره قوله الاخر في وصف التالين للقرآن حق تلاوته ( ص 406 من الطبعة الأولى ) : " حتى صارت نفوسهم كمرائي مجلوة حوذى بها شطر الحقائق الإلهية فتحلت وانتقشت بها " إلى غيرهما واصل التعبير مأخوذ من كلام ابن سيناء ( انظر كتاب الإشارات ، النمط التاسع ) : " إشارة - فإذا عبر الرياضة إلى النيل صار سره مرآة مجلوة محاذيا بها شطر الحق ودرت عليه اللذات العلى ( إلى آخر كلامه ) " وقد قال أيضا قبل ذلك في كلام له : " وإذا أعرضت النفس عنه إلى ما يلي العالم الجسداني أو صورة أخرى انمحى المتمثل الذي كان أولا كأن المرآة التي كانت يحاذي بها جانب القدس قد اعرض بها عنه إلى جانب الحس أو إلى شئ آخر من الأمور القدسي " قال المحقق الطوسي ( ره ) في شرح العبارة الثانية ما نصه : " إشارة إلى حاجة الذهول وسببه ، وتمثل بالمرآة لأنها في الجسمانيات أشبه شئ بالنفس المستفيضة عن المجردات " .