ابن ميثم البحراني

240

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

وكان من أحوال البصرة وموت أهلها بالطاعون وغير ذلك ما كان كما هو مشهور من قصصها وذلك يدل على اطلاعه عليه السلام على ما لم يكن قبل كونه . الحكم الرابع - قوله عليه السلام : ولو تعلمون ما أعلم مما طوى عنكم غيبه إذا لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أعمالكم ( 1 ) وتلتدمون على أنفسكم ، ولتركتم أموالكم

--> ( 1 ) - قال الشريف الرضى ( ره ) بعد نقله في باب الخطب من نهج البلاغة ( انظر شرح نهج البلاغة لابن ميثم ص 280 من الطبعة الأولى ) : " أقول : الوذحة الخنفساء وهذا القول يومى به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره " قال ابن ميثم في شرحه : " الصعدات جمع صعيد وهو وجه الأرض ، واللدم والالتدام ضرب الوجه ونحوه ، . ورأي ميمون مبارك وقدما بضم القاف والدال اي تقدموا ولم ينثنوا ، والوجيف ضرب من السير فيه قوة والوذحة كما قيل : انها كنيه للخنفساء ، ولم ينقل ذلك في المشهور من كتب اللغة وإنما المشهور انها القطعة من بعر الشاة تنعقد على أصواف أذنابها وتتعلق بها وهذا الفصل من خطبة له بالكوفة يستنهض فيها أصحابه إلى حرب الشام ويتبرم من تقاعدهم عن صوته . ( إلى أن قال ) ثم بين لهم بعض ما سيلحقهم من الفتن العظيمة مما طوى عنهم غيبه ، وهي فتنة الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن معتب بن مليك بن كعب بن الاخلاف قوم من ثقيف ( إلى أن قال ) ثم قال : ايه أبا وذحة وكلمة ايه اسم من أسماء فعل الامر يستدعى به الحديث المعهود من الغير ان سكنت ، وان نونت كانت لاستدعاء قول أو فعل ما ، وقيل : التسكين للوقف والتنوين للدرج . وأما تلقيبه ( ع ) له بأبي وذحة فروى في سبب ذلك أنه كان يوما يصلى على سجادة له فدبت إليه خنفساء فقال : نحوها عنى فإنها وذحة من وذح الشيطان . وروى أنه قال : قاتل الله قوما يزعمون أن هذه من خلق الله فقيل له : مما هي ؟ - فقال : من وذح إبليس وكأنه شبهها بالوذحة المتعلقة بذنب الشاة في حجمها أو شكلها فاستعار لها لفظها ، ونسبته لها إلى إبليس لاستقذاره إياها واستكراهه لصورتها ، أو لأنها تشوشه في الصلاة وروى أبو علي بن مسكويه : انه نحاها بقصبة وقال : لعنك الله وذحة من وذح الشيطان ونقل بعض الشارحين ودجة ( بالدال والجيم ) وكنى ذلك عن كونه سفاكا للدماء قطاعا للأوداج وفيه بعد " . قال ابن أبي الحديد فيما قال في شرحه ( ج 2 ، ص 257 من طبعة مصر ) : " قال الرضى - رحمه الله - والوذحة الخنفساء ولم أسمع هذا من شيخ من أهل الأدب ولا وجدته في كتاب من كتب اللغة ولا ادرى من أين نقل الرضى رحمه الله ذلك ؟ ! ثم إن المفسرين بعد الرضى - رحمه الله - قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوها منها - ان الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه فطردها ، فعادت ثم طردها ، فعادت فأخذها بيده وحذف بها فقرصته قرصا ورمت يده ورما كان فيه حتفه ، قالوا : وذلك لان الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التي دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه . ومنها - ان الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدب قريبة منه يأمر غلمانه بابعادها ويقول : هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة ، قالوا : وكان مغرى بهذا القول والوذح ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف . ومنها - ان الحجاج قال وقد رأى خنفساوات مجتمعات : واعجبا لمن يقول : ان الله خلق هذه ، قيل فمن خلقها أيها الأمير ؟ - قال : الشيطان ، ان ربكم لأعظم شأنا ان يخلق هذه الوذح قالوا : فجمعها على فعل كبدنة وبدن ، فنقل قوله هذه إلى الفقهاء في عصره فأكفروه . ومنها - ان الحجاج كان مثفارا وكان يمسك الخنفساء حيه ليشفى بحركتها في الموضع حكاكة ، قالوا : ولا يكون صاحب هذه الداء الا شانئا مبغضا لأهل البيت ، قالوا : ولسنا نقول : كل مبغض فيه هذا الداء وإنما قلنا : كل من فيه هذا الداء فهو مبغض ، قالوا : وقد روى أبو عمر الزاهد ولم يكن من رجال الشيعة في أماليه وأحاديثه عن السياري عن أبي خزيمة الكاتب قال : ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء الا وجدناه ناصبيا ، قال أبو عمر : وأخبرني العطا في من رجاله قالوا : سئل جعفر بن محمد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس فقال : رحم منكوسة تؤتى ولا تأتى ، وما كانت هذه الخصلة في ولى الله تعالى قط ولا تكون ابدا وإنما تكون في الكفار والفساق والناصب للطاهرين وكان أبو جهل عمر بن هشام المخزومي من القوم وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله قالوا : ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر : يا مصفرا استه . فهذا مجموع ما ذكره المفسرون وما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع . ويغلب على ظني انه ( ع ) أراد معنى اخر ، وذلك أن عادة العرب ان تكنى الانسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم كقولهم : أبو الهول : أبو المقداد ، وأبو المغوار ، فإذا أرادت تحقيره والغض منه كنته بما يستحقر ويستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية أبو زنة ، يعنون القرد ، وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث ، أبو الفار ، وكقولهم للطفيلي : أبو لقمة ، وكقولهم لعبد الملك : أو الذبان ، لبخره ، وكقول ابن بسام لبعض الرؤساء : فأنت لعمري أبو جعفر * ولكننا نحذف الفاء منه وقال أيضا : لئيم درن الثوب * نظيف القعب والقدر أبو النتن أبو الدفر * أبو البعر أبو الجعر فلما كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة الملتصق بشعر الشاء كناه أبو وذحة ويمكن أيضا ان يكنيه بذلك لدمامته في نفسه وحقارة منظره وتشويه خلقته فإنه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس فكناه بأحقر - الأشياء وهو البعرة . وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة أخرى فقالوا ايه أبا ودجة ، قالوا : هي واحدة لأوداج ، كناه بذلك لأنه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف ، ورواه قوم أبا وحرة وهي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبهه بها . وهذا وما قبله ضعيف ، وما ذكرناه نحن أقرب إلى الصواب " .