ابن ميثم البحراني

186

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

واعلم أن الأول وإن كان هو المقصود الذاتي من الكلمة الا ان الثاني أيضا مراد ، إذ يصدق عليه انه قاطع اللسان أيضا . ثم اعلم أن الاحسان كما يقطع اللسان فهو موجب للألفة والمحبة كما عرفت التي هي سبب لتحصيل السعادتين ، وعلة لاستحقاق المنزلين ، وموجبة لمحبة الخالق والحصول في جواره المقدس كما أشير إليه في التنزيل الإلهي : والله يحب المحسنين ( 1 ) وان الله لمع المحسنين ( 2 ) وبه يستعبد الأحرار كما يقطع السنة الأشرار ، قال الشاعر ( 3 ) : أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الانسان احسان وينبغي للعاقل ان يلزم محاب الله فإنه يكون محبوبا لله ، وأن يكون من الكائنين مع الله ، وان يختار لنفسه ما اختاره الله لنفسه من التسمية محسنا ، فمن كان مع الله فقد حصل في جواره ، ومن كان محبوبا لله فقد فاز بجميع مقاصده ، ومن تخلق بأخلاق الله فقد استحق الخلود في دار البقاء وكل ميسر لما خلق له ( 4 ) . الكلمة الحادية والثلاثون قوله عليه السلام : احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود . أقول : اسناد النفار والشرود حقيقة في النعم وقد استعملها عليه السلام ههنا مجازا في النعم ووجه المشابهة انهما يستلزمان المفارقة في الموضعين ، والمقصود من هذه الكلمة التحذير من مفارقة النعم وهي الكمالات الخيرية بمفارقة أسبابها ، والتنبيه بالسالبة الجزئية وهي قوله : فما كل شارد بمردود ، على أن النعم بعد مفارقتها قد لا تعود إليكم فان

--> ( 1 ) - في مواضع من القرآن منها ذيل آية 134 سورة آل عمران . ( 2 ) - ذيل آخر آية من سورة العنكبوت وهي ( آية 69 ) . ( 3 ) - يريد به أبا الفتح البستي فان الشعر من نونيته المشهورة . ( 4 ) - هو وارد في حديث نبوي معروف .