عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

91

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

مع الفرنج فصول وحروب إلى أن اتفقت وقعة المنصورة وذلك أن الفرنج حملوا ووصلوا إلى دهليز السلطان ، فركب مقدم الجيش فخر الدين ابن الشيخ ، وقاتلها إلى أن قتل ، وانهزم المسلمون ، ثم كروا على الفرنج ، ونزل النصر ولله الحمد ، فقتل من الفرنج مقتلة عظيمة ، ثم قدم الملك المعظم بعد أيام . وفيها توفي الملك الصالح ابن الملك الكامل ابن الملك العادل ، كما تقدم ، وكان وافر الحرمة ، عظيم الهيبة ، طاهر الذيل ، حليفاً للملك ظاهر الجبروت . وفيها توفي الأمير نائب السلطنة . وفيها توفي فخر الدين كما تقدم . وفيها توفي أبو الفضل يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر الجويني ، ولد بدمشق ، وسمع من غير واحد طعن يوم المنصورة ، ووقع ضربتان في وجهه ، فسقط ، وكان رئيساً محتشماً سيداً معظمًا ذا عقل ورأي ودهاء وشجاعة وكرم سجنه السلطان سنة أربعين ، وقاسى شديدًا ، وبقي في الحبس ثلاث سنين ثم أخرجه ، وأنعم عليه ، وقدمه على الجيش . سنة ثمان وأربعين وست مائة استهلت والفرنج على المنصورة والمسلمون بإزائهم مستظهرين لانقطاع الميرة عن الفرنج ، ووقوع المرض في خيلهم ، وعزم ملكهم على السير في الليل إلى دمياط ، ففهم المسلمون ذلك ، وكان الفرنج قد عملوا جسرًا من صنوبر على النيل ، ونسوا قطعه ، فعبر عليها المسلمون وأحدقوا بهم ، فتحصنوا بقربة يمينة أبي عبد الله ، وأخذ أسطول المسلمين أسطولهم أجمع ، وقتل منهم خلق ، وطلب ملكهم الطواسي رشيد سيف الدين الضمري فأتوا وكلمهم في الأمان على نفسه وعلى من معه ، فعقدا له الأمان ، وانهزم جل الفرنج ، فحمل عليهم المسلمون ، ووضعوا فيهم السيف ، وغنم الناس مالاً لا ينحصر ، وركب ملك الفرن ! في حراقة والمراكب الإسلامية محدقة به تخفق بالكووسات والطبول ، وفي البر الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر ، وفي البر الغربي العربان والعوام ، وكانت ساعة عجيبة . واعتقل ملك الفرنج بالمنصورة ، وكانت الأسرى نيفا وعشرين ألفا فيهم ملوك وكبار الدولة وكانت القتلى سبعة آلاف ، واستشهد من المسلمين نحو مائة أنفس ، وخلع الملك المعظم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة ، فامتنع الكلب ملكهم من لبسها ، وقال : أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر كيف ألبس خلعته ؟ ثم بدت من الملك المعظم خفة وطيش