عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
80
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
يونس الموصلي الشافعي أحد الأعلام ولد سنة احدى وخمسين بالموصل ، وتفقه على والده ، وببغداد على معيد النظامية السديد السلماسي وبرع عليه في علم الأصول والخلاف ، وقرأ النحو على ابن سعدون القرطبي ، والكمال الأنباري ، وأكب على الاشتغال بالعقليات ، حتى بلغ فيها الغايات ، وكان يتوقد ذكاء ، ويموج بالحلوم حتى قيل : إنه كان يتفنن في العلوم فنونًا كثيرة اشتهر ذكره ، وطار خبره ودخلت الطلبة إليه من الأقطار ، وتفرد باتقان علم الرياضي ، قيل : ولم يكن له في وقته نظير هذا ما ذكره الذهبي . وقال غيره : كان الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح يبالغ في الثناء عليه ، ويعظمه ، فقيل له يومًا : من شيخه ؟ فقال : هذا الرجل خلفه الله عالماً لا يقال على من اشتغل ، وهو أكبر من هذا ، وله عدة تصانيف . وقال ابن خلكان : وكان الفقهاء يقولون : إنه يدري أربعة وعشرين فنًا دراية متقنة ، فمن ذلك علم المذهب ، وكان فيه أوحد زمانه ، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه في مذهبهم ، ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هو عليه من الأشكال المشهور وكان يتقن فني الخلاف العراقي والبخاري ، وأصول الفقه وأصول الدين . ولما وصلت كتب الإمام فخر الدين الرازي إلى الموصل ، وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحه فيها سواه ، وكان يدري فن الحكمة والمنطق ، والطبيعي ، والإلهي وكذلك الطب ، ويعرف فنون الرياضة من أقليدس ، والهيئة ، والمخروطات والمتوسطات ، والمجسطي ، وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والارثماطيقي بالمثناة من فوق قبل الألف ، ومن تحت قبل القاف ، وطريق الخطائين ، والموسيقى بكسر القاف والمساحة ، معرفة لا يشاركه فيها أحد إلا في ظواهرها دون دقائقها والوقوف على حقائقها ، واستخرج في علم الأوفاق طرفا لم يهتد إليها أحد ، وكان يبحث في العربية ، والتصريف بحثاً تاماً حتى إنه كان يقرئ مستوفي كتاب سيبويه ، والإيضاح وتكملته للفارسي ، ومفصل الزمخشري ، وكان له في التفسير ، والحديث ، وأسماء الرجال وما يتعلق به يد جيدة ، وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم ، والأشعار والمحاضرات شيئًا كثيرًا . وكان أهل الذمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل ، ويشرح هذين الكتابين لهم شرحًا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحها لهم مثله . قلت : هكذا ذكر عنه ومثل هذا معلوم أنه حرام وباطل ، وذلك لوجوه أحدها إقراء كتب منسوخة ومبدلة باطل حكمها لا تصح ، العمل بها والثاني مؤانسة لأعداء الله ، ومجانسة