عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
72
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الاعتقاد ، معاشر الأرباب الفضائل ، حازماً في أموره لا يضع الشيء إلا في محله من غير إسراف ولا اقتتار ، وكان يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء ويشاركهم في مباحثات ، ويسألهم عن المواضع المشكلات من كل فن ، وهو معهم كواحد منهم وبنى بالقاهرة دار حديث ، ورتب لها وقفًا جيدًا ، وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قبة عظيمة ، ودفن أمه عنده ، وأجرى إليها من ماء النيل ، ومدده بعيد ، وغرم على ذلك جملة عظيمة . ولما مات أخوه الملك المعظم عيسى الملقب بشرف الدين صاحب الشام وأقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه ، خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصدًا أخذ دمشق منه ، وجاء أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى ، فاجتمعا على أخذ دمشق وقد تقدم ذكر ذلك وأنه دفعها إلى أخيه الملك الأشرف ، وأخذ عوضها من بلد المشرق عدة بلدان تقدم ذكرها وتقدم أيضاً أنه لما مات الملك الأشرف جعل ولي عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل فقصده الملك الكامل ، وانتزع منه دمشق بعد مصالحة جرت بينهما . ولما ملك الملك الكامل البلاد الشرقية ، واستخلف بها ولده الملك الصالح أبا المظفر أيوب ، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل بالديار المصرية ، وكان قد سير الملك العادل الملك المسعود إلى اليمن ، وكان أكبر أولاد الملك الكامل ، وقد تقدم ذلك وأنه ملك الحجاز مضافة إلى اليمن . ولما وصل الخطيب إلى ذكر الكامل قال : صاحب مكة وعبيدها ، واليمن وزبيدها ، ومصر وصعيدها ، والشام وصناديدها ، والجزيرة ووليدها ، سلطان القبلتين ، ورب العامتين ، وخادم الحرمين الشريفين ، أبو المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير المؤمنين . قال ابن خلكان : ولد رأيته بدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وست مائة عند رجوعه من بلاد الشرق ، وفي خدمته يومئذ بضعة عشر ملكاً منهم أخوه الملك الأشرف . ولم يزل في علو شأنه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذ دمشق ، ولم يزل مريضًا إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر ، ودفن في القلعة بمدينة دمشق يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب السنة المذكورة . قال : وكانوا قد أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة ، فلما دنت الصلاة قام بعض الدعاة على العرش الذي بين يدي المنبر ، فترحم علي الملك الكامل ، ودعا لولده الملك العادل ابن الملك الكامل صاحب مصر ، فضج الناس ضجة واحدة ، وكانوا قد أحسوا