عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

61

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

والسلوك ، والمحبة ، والمعارف ، والشوق ، والوصل ، وغير ذلك من الاصلاحات في العلوم الحقيقة المعروفة في كتب المشائخ الصوفية ، بلغني أنه دخل في أيام بدايته مدرسة في ديار مصر ، فوجد فيها شيخاً بقالاً يتوضأ من بركة فيها بغير ترتيب ، فقال له : يا شيخ أنت في هذا السن وفي هذا البلد ، وما تعرف تتوضأ ؟ فقال له : يا عمر أنت ما يفتح عليك بمصر ، فجاء إليه وجلس بين يديه وقال له : يا سيدي ، ففي أقي مكان يفتح علي . فقال : في مكة ، فقال يا سيدي ، وابن مكة مني ، فقال : هذه مكة ، وأشار بيده نحوها ، وكشف له عنها ، فأمره الشيخ الذهاب إليها في ذلك الوقت ، فوصل إليها في الحال ، وأقام بها اثنتي عشرة سنة ، ففتح عليه ، ونظم فيها ديوانه المشهور ، ثم بعد المدة المذكورة سمع الشيخ المذكور ويقول له : يا عمر تعال أحضر موتي ، فجاء إليه ، فقال له الشيخ : خذ هذا الدينار ، فجهز لي به ثم احملني ، فضعني في هذا المكان ، وانتظر ما يكون من أمري ، وأشار إلى مكان في القرافة تحت الفارض ، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض ، قال : فكشف لي عن ذلك المكان ، فحملته ووضعت فيه ، فنزل رجل من الهوى ، فصلينا عليه ، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره ، فإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر ، فجاء طائر كبير ، فابتلعه ، ثم طار ، قال : فتعجبت من ذلك ، فقال لي ذلك الرجل : لا تعجب من هذا فإن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة ، كما جاء في الحديث أولئك شهداء السيوف ، وأما شهداء المحبة ، فأجسادهم أرواح رضي الله عن الجميع . قلت : وإلى هذا المعنى أشرت في هذه الأبيات من قصيدتي الموسومة بلباب اللب في مدح شهيد الحب حيث قلت : قتيل الهوى في مذهب الحب والفقر * بلا عوض حاشاه من طلب الأجر سوى روية المحبوب في حالة اللقا * إذا ما قيتل السيف عوض في الحشر فشتان ما بين المقامين في العلى * وبين شهيد الحب والسيف في القدر فما طالب المولى له طال شوقه * وفي حبه قد مات خال عن الصبر كطالب مطعوم الجنان وشربها * وملبوسها والخيل والحور والقصر إذا كنت حظي والأيام حظوظهم * أياديك ما نالوا نعيمي ، ولا فخر كفى شرفًا موت المحب صبابة * لمولى وفضلاً جل قدراً عن الحصر ويكفيك خمس من فضائله بها * بلوغ المنى عيشًا ومجدًا على الدهر قتيل جمال قد ودوه بروية * ووصل وقرب والتنادم والسرر تميز عن غير بهذي وغيرها * وشاركه فيما له نال من أجر لئن كان روح من شهيد سيوفهم * بجنات خلد جوف طير بها خضر