عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

54

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وكان يقول : الجوع للمريدين رياضة ، وللتائبين تجربة ، وللزهاد سياسة ، وللعارفين مكرمة ، والوحدة جليس الصديقين ، والفوت أشد من الموت ، لأن الفوت انقطاع عن الحق ، والموت انقطاع عن الخلق . والزهد ثلاثة أشياء القلة ، والخلوة والجوع ، وذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال : قدم بغداد واجتمع إليه بها مشائخ الصوفية والنساك ، ونصبوا منصبه ، وأقعدوه عليها ، وقعدوا بين يديه يتحاورون ، وكان له إشارات وعبارات حسنة . ومن كلامه أحسن الأشياء الكلام الحسن حسن ، وأحسن من الكلام معناه ، وأحسن من معناه استعماله ، وأحسن من استعماله ثوابه ، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له . ودخل على علوي ببلخ زائراً له ومسلمًا عليه ، فقال له العلوي : أيده الله الأستاذ ما تقول فينا أهل البيت ؟ قال : ما أقول في طين عجن بماء الوحي ، وغرس بماء الرسالة ، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى ؟ فحشا العلوي فاه بالدر . ومن كلامه ما بعد طريق إلى صديق ، ولا استوحش من سلك فيه إلى حبيب في طريق وقال : من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء ، وقال : ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال : إن لم تنفعه ، فلا تضره ، وإن لم تمدحه ، فلا تذمه ، وإن لم تسره ، فلا تغمه ، وقال : عمل كالسراب ؟ وقلب من التقوى خراب ، وذنوب بعدد الرمال والتراب ، ثم تطمع في الكواعب الأتراب ، هيهات ! أنت سكران بغير شراب ، ما أكملك لو بادرت أملك ، ما أجلك ، ولو بادرت أجلك ، وله في هذا الباب كلام مليح النظام . سنة تسع وعشرين وست مائة فيها توفي السلطان جلال الدين خوارزم شاه ابن السلطان علاء الدين ، كان يضرب به المثل في الشجاعة والإقدام ، كثير الجولان في البلاد ما بين الهند إلى ما وراء النهر ، إلى العراق ، إلى فارس ، إلى كرمان ، إلى أرمينية ، وأذربيجان وغير ذلك ، وافتتح المدن ، وسفك الدماء ، وظلم وعسف وغدر ، قالوا : ومع ذلك كان صحيح الإسلام ، وكان ربما قرأ في المصحف ، وبكى وآل أمره إلى أن تفرق عنه جيشه ، حتى يقال : إنه سار في نفر يسير فبيته كردي في منزله ، وطعنه بحربة وقتله بها . وفيها توفي الحافظ أبو موسى عبد الله ابن الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله . وفيها توفي العلامة المتقن الموفق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي الشافعي النحوي اللغوي الطبيب الفيلسوف ، وصاحب التصانيف الكثيرة ، كان أحد الأذكياء البارعين في اللغة