عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
51
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزخيها ، ويعلل المعيشة ويرجيها متلفعاً بالقناعة والعفاف ، مشتملاً بالنزاهة والكفاف ، غير راضي بذلك الشمل ، ولكن مادة أقول لا يطل قد ألزم نفسه أن يستعمل طرفًا طماحًا ، وأن يركب طرفًا جماحًا ، وأن يلحف بيض طمع جناحًا ، وأن يستقدح زهدًا وارياً وشاحًا . وأدبني الزمان فلا أبالي * هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما عشت يومًا * أسار الجندام ركب الأمير ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات ، وما أقل عنا الباكي عد في الرفات . تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت * معارفه عندي من النكرات إذا ذكرتها النفس حنت صبابة * وجاد شؤون العين بالعبرات إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى * ويوسعني تذكاره حسرات قلت : وهذا البيت الأخير يشفي من منهل القائل الذي بهذا المعنى يشير . رب دهر بكيت منه * فلما صرت في غيره بكيت عليه وهذا ما اقتصرت عليه من رسالته الطويلة الجليلة الفائقة الجميلة المؤذنة له بتمام البلاغة والفضيلة ، وهو نحو من ربعها ، وهو لعمري فيما يستحقه من النعوت . من نفيس الجواهر كاسمه ياقوت ، توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان بظاهر مدينة حلب ، وكان قد وقف كتبه ، ولما تميز سمى نفسه يعقوب . وفيها توفي الملك المسعود ابن الملك الكامل بمكة المشرفة ، وكان قد سيره جده الملك العادل إلى اليمن ، فملكها وبلاد الحجاز مضافة إليها ، ولما حضرته الوفاة وصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله ، يسلم إلى الشيخ الصديق يجهزه عنده بما يرى ، وكان من كبار الصالحين من أكراد بلد إربل مجاورًا بمكة ، ولما مات الملك المسعود تولى تجهيزه وكفنه في إزار ، كان قد أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة ، وجهزه تجهيز الفقراء