عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

46

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

سنة أربع وعشرين وست مائة فيها جاء الخبر إلى السلطان جلال الدين ، وهو بتوريز أن التتار قد قصدوا أصفهان وبها أهله ، فسار إليها وتأهب للملتقى ، فلما التقى الجمعان وحد له أخوه غياث الدين وولي ، فكسرت ميمنته ميسرة التتار ، ثم حملت ميسرته على ميمنة التتار ، فطحنتها أيضاً وتباشر الناس بالنصر ، ثم كرت التتار مع كمينها ، وحملوا حملة واحدة كالسيل ، وقد أقبل الليل ، فزلت الأقدام ، وقتلت الأمراء ، واشتد القتال ، وتزعزع بنيان جيش جلال الدين ، وثبت هو في طائفة يسيرة ، وأحيط به ، فانهزم وطعن طعنه لولا الأجل لتلف وتمزق جيشه إلى أن ميمنته سارت على ميسرة التتار حتى ، ولوا فتبعت أقفيتهم ، وما رجعت إلا بعد يومين ، فلم يسمع بمثل ذلك في الملاحم من انهزام كلا الفريقين ، وذلك في رمضان . وقيل ذلك بأيام مات طاغية التتار وسلطانهم الأعظم الذي خرب البلاد وأفنى البرايا ، وأباد ، وهو الذي جيش الجيوش ، وخرج بهم من بادية الصين ، ودانت له المغل ، وعقدوا له عليهم ، وأطاعوه ، ولا طاعة الأبرار للملك الجبار ، واسمه قيل الملك تمرجين بالمثناة من فوق والراء والجيم والمثناة من تحت والنون ، ومات على الكفر ، وكان من دهاة العالم ، وأفراد الدهر ، وعقلاء الترك وهو أحد ابني العم بركة وهولاكو . وفيها توفي قاضي القضاة ابن السكري عماد الدين عبد الرحمن بن علي المصري الشافعي ، تفقه على شهاب الطوسي ، وبرع في المذهب ، ودرس وأفتى ولي قضاء القاهرة وخطابتها . وفيها توفي الملك المعظم سلطان الشام شرف الدين عيسى ابن الملك العادل الفقيه الأديب ، ولد بالقاهرة ، وحفظ القرآن ، وبرع في الفقه وشرح الجامع الكبير في عدة مجلدات بإعانة غيره ، ولازم الاشتغال زمانًا ، وسمع المسند كله من مسند أحمد بن حنبل مراراً ، ثم تلاحق مماليكه بعد ، وكان حنفي المذهب ، قال ابن خلكان : كان متعصبًا لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة ، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه ، وتبعه أولاده ، وكان قد حج ، ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين ، فأحسنوا في مدحه ، وكانت له رغبة في فن الأدب ، وقيل : إنه قد شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار ، وخلعة ، فحفظه لهذا السبب جماعة . قال : ورأيت بعضهم بدمشق ، والناس يقولون إن سبب حفظهم له كان هذا قال : ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره ، وكانت مملكته متسعة يعني في بلاد الشام توفي يوم